السياسي

ليبيا في الظلام والمليارات تحت الضوء!

ليبيا في الظلام والمليارات تحت الضوء!

ليبيا في الظلام والمليارات تحت الضوء!

 

عاد فصل الصيف وعادت معه درجات الحرارة المرتفعة ونسب الرطوبة العالية، هذا في دول أخرى قد يعني للناس أن موسم الاصطياف قد بدأ، ولكنه في ليبيا يعني شيئا آخر تماما، يعني عودة كابوس طرح الأحمال، وعودة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، يعني ليالي بلا نوم وأيام بلا تكييف ولا رفاهية، ويعني إزعاج المولدات وضوضاءها الخانقة.

أزمة الكهرباء في ليبيا ضيف ثقيل دائم الحضور، اعتدنا وجوده الدائم منذ نحو 15 عاما فشلت خلالها كل محاولات الإصلاح والصيانة، أنفقت خلالها مليارات تكفي ربما لإنارة نصف الكوكب، ولكنها فشلت في استدامة الكهرباء في بلد لا يزيد سكانه عن 8 ملايين نسمة، أزمة الصيف الحالي رغم اعتيادنا لها إلا أنها تكشف خللا بنيويا في هيكل الدولة، فمن تصريحات رئيس حكومة الوحدة الوطنية منذ سنوات ووعوده بتوديع طرح الأحمال، إلى مناداته مؤخرا بالتوزيع العادل لساعات انقطاع الكهرباء، ورفضه لانقطاع الكهرباء على "ناس دون ناس"، ويظل جوهر القضية بلا حل يلوح في الأفق، مليارات تنهب كل عام، وفساد ينخر مؤسسات الدولة وأهم مرافقها، وثراء فاحش يتمتع به المسؤولون المؤتمنون على الخدمات، ولا جديد يذكر، وأسطوانة كل عام تترد كل عام، شركة الكهرباء تتهم مؤسسة النفط، ومؤسسة النفط تتهم المصرف المركزي، والمصرف المركزي يتهم وزارة المالية، ووزارة المالية تتهم الميزانية، وأنا أتهم "أم بسيسي".

انقطاع الكهرباء في ليبيا ليس ظاهرة طبيعية، فالصيف يأتي كل سنة، والشمس تشرق من الشرق كل صباح، والحرارة تصل إلى الخمسين درجة في بعض المناطق في يوليو وأغسطس، هذه حقائق كونية لا تتغير، فلماذا لا تتغير معها خطة الحكومة لتوفير التيار الكهربائي؟

هذا التدهور ليس طارئا أو وليد اللحظة، ولا يمكن اختصاره في تعثر ناقلة وقود أو عطل مؤقت في صمام إمداد، أو تأخر في شحنة غاز، إنه نتاج تراكمات تمتد لأكثر من عقد من الزمن، اتسمت بتدفق مالي ضخم قابلته نتائج متواضعة على الأرض، ومشاريع متتالية لم ترتق لمستوى الطموح، فرغم رصد الحكومات المتعاقبة لمليارات الدينارات لغرض التحديث والإنشاء والصيانة، إلا أن الفساد واستمراره والتوسع فيه، مضافا إلى القفزات المتتالية في الطلب الاستهلاكي، وهشاشة البنية التحتية، والانقطاع الدوري لإمدادات الغاز، جعلت الانتكاسة تتجدد مع كل ارتفاع في درجات الحرارة.

والنتائج لا تتناسب إطلاقا مع المعطيات، فقد تم إنشاء عدة محطات توليد كهرباء جديدة تماما، إضافة إلى تحديثات وصيانة شاملة لعدة وحدات قديمة، إضافة إلى عوائد مالية كبيرة تحققت للدولة مدفوعة بطفرة غير مسبوقة في مبيعات الخام والمشتقات النفطية، مع قفزة هائلة في أسعار الخام في الأسواق العالمية، والواقع المعيشي لا زال كما هو، معاناة مستمرة للحصول على الحد الأدنى من الخدمات الخدمية الأساسية.

وبعد تداول الاتهامات بين المسؤولين على الأزمة، لا يبقى لهم إلا المواطن، فيحولون انتباههم إليه، ويلقون بالأسباب عليه، فهو الذي يستهلك أكثر من حاجته من الكهرباء، وهو الذي لا يدفع قيمة الاستهلاك، ثم يضاف إليه الأجانب والمهاجرون، فهم يتمتعون بالكهرباء معنا واستهلاكهم يرهق محطات توليدنا، وقد يدخل على الخط عامل الاستفادة السياسية من الأزمة، فأتباع حكومة الغرب سيتهمون حفتر بمنح الكهرباء لمصر، وأتباع الأخير سيتهمون الدبيبة بأنه يتقرب بكهربائهم لتونس، وكأن تونس ومصر بحاجة لكهربائنا، وكأننا لا نشتري الكهرباء منهم كل عام!

وفي كل مرة نغفل الجانب الأهم والعامل الأبرز، إنه رفيقنا القديم وأنيسنا الدائم، الفساد يا سادة، إنه عدونا الأول في هذه البلاد، ونظرا لعدم رغبتنا في مواجهته، سواء لضعف أو جهل، ونظرا لعدم اضطرار الدولة لمواجهته، فلا أحد يضغط عليها لتفعل، وكلا أجنحة الدولة وسلطاتها في الشرق أو الغرب متغلب يحكم بالأمر الواقع، سيبقى الحال على ما هو عليه، وستضعف الخدمات واحدة تلو الأخرى، وسيلتهم الفساد قطاعاتنا واحدا تلو الآخر، حتى قد يأتي علينا زمان نتحدث فيه عن أوقات طيبة كنا نتمتع فيها بالكهرباء نصف نهار في قيظ الصيف أو في برد الشتاء.

الفساد في قطاع الكهرباء تحول إلى ثقافة، وكأننا صرنا أمام عقد اجتماعي غير مكتوب بين الفاسدين والمواطن، الفاسد يسرق المال العام، والمواطن يتحمل الحر والمرض وتلف الأجهزة، وينام الفاسد نوما هانئا تحت مكيفه البارد الذي يزوده مولده الذي يساوي أكثر من ثمن بيت المواطن الفقير، ويلهث المواطن الفقير فوق سطح بيته القائظ لينال بعض الهواء.

وأغرب ما في القصة أن شركة الكهرباء والحكومات المتعاقبة تتعامل مع الأزمة كأنها مشكلة فنية، فيرسلون فرق الصيانة، ويتعاقدون مع شركات أجنبية، ويعقدون اجتماعات دورية، ويطالبون بتخصيص ميزانيات إضافية، ويفتحون اعتمادات مستندية لشراء قطع الغيار، ثم ينقطع عنك التيار في نفس اللحظة التي ترى فيها رئيس شركة الكهرباء يوقع عقدا مليونيا، ليس مع شركة سيمنس مثلا، بل مع لاعب لناديه الذي يرأسه.

تخيل أنك تعطي ألف دينار لرجل لشراء دواء لوالدك المريض، وهذا الرجل معروف عنه أنه يشتري الدواء الفاسد ويبيع الدواء السليم في السوق السوداء، هل ستعطيه الألف دينار مع علمك بذلك؟ بالطبع لا، لكن الدولة تفعل ذلك كل سنة، تعطي الميزانيات للفاسدين ثم تستغرب لماذا لا ينقطع الكهرباء؟