ليبيا : اﻷرض التي يحكمها الأجنبي الوهمي !
عدنا مجددا لنبش الملف الذي يرفض أن يغلق؛ فموضوع العنصرية والتعالي التي تتسم بها فئة واسعة من الليبيين ليس جديدا، وتهمة الأجنبي والمجنس جاهزة دائما وتنتظر كل من يختلف معنا في الرأي، وقد كتبنا عن هذا كثيرا في هذه المنصة حتى بحت أصوات الحروف وتجاوزنا مرحلة التشخيص التقليدي.
المثير للاهتمام مؤخرا هو الزاوية الجديدة التي يحاول بعض الكتاب والمدونين المعروفين تسويقها، فيخرج علينا هؤلاء بمقالات تحلل المشهد بكثير من البراءة المصطنعة، حيث يلقون باللوم كله على جهات أجنبية غامضة، ويقولون إن هناك من يهيج الشارع الليبي ويصنع خطاب الكراهية ضد الأجانب وخاصة المهاجرين الأفارقة ثم الفلسطينيين مؤخرا، ويزعمون أن كل تلك الحملات التي تريد أن تصنع سردية محاولات المجتمع الدولي السيطرة على البلاد والاستيطان هي مؤامرة خارجية، ويصرون على أن سيل التعليقات السلبية على منصات التواصل الاجتماعي ليس إلا هجوما مكثفا من الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية أو ما يعرف بالبوتس.
هذا الكلام مريح جدا للضمير ولكنه يضج بالهروب من الواقع، نعم توجد حسابات وهمية وتوجد مطابخ إلكترونية توجه الرأي العام وهذا صحيح نسبيا، لكنه ليس الحقيقة الكاملة بأي حال من الأحوال، وكمية الحقد والتعليقات السلبية التي تفيض بها الصفحات الليبية تحت كل منشور يشتم الأفارقة أو يحرض على الفلسطينيين لا يمكن أن تكون كلها مصنعة في معامل الذكاء الاصطناعي، والحقيقة المرة التي يهرب منها الجميع هي وجود ميول عدوانية واضحة لدى قطاع واسع من هذا الشعب، فنحن ببساطة نفرغ عقدنا ونقصنا وإحباطنا وعجزنا على الفئات الأضعف، وتترك الجماهير النخبة الفاسدة التي تسرق أموالها بالمليارات نهارا جهارا ثم تتصدق عليها بفتات الفتات لتصب جام غضبها على عامل بسيط أو لاجئ مضطهد، إنه التطبيق الحرفي والملائم جدا للمثل الشعبي القديم "على من تقدر يا جحا".
لم تخلق هذه الميول العدوانية من فراغ، والتاريخ لم يمر علينا مرور الكرام، بل ترك جروحا عميقة في النفس الجمعية، ففترات الاستعمار والاستبداد والغلبة ومنطقة القوة قد حكمتنا لعقود طويلة، ولم تزرع فينا كراهية الآخرين فحسب، بل زرعت أيضا شعورا بالدونية يعوضه اليوم الليبي بالتعالي على من هو أضعف منه، ونتاج ذلك أنه أصبح من السهل جدا استدعاء شيطان "الأجنبي" كلما فشلنا في شيء، فهل سأل أحدكم لماذا نسارع دائما لشتم المهاجرين دون حتى التفكير في من استغل معاناتهم وعبر بهم بحر الرمال ثم بحر الماء متسببا أحيانا بموتهم؟
جذور هذه الأزمة تمتد لعقود طويلة من الانغلاق التام، فقد عشنا لسنوات طويلة داخل شرنقة مغلقة دون أي احتكاك حقيقي بثقافات الشعوب الأخرى، تغذينا على نظرة الشك المخابراتية وربتنا شعارات الدولة التي تحارب الامبريالية والرجعية؛ على نظرية المؤامرة الكونية، كبرنا ونحن نصدق أن العالم كله لا شغل له إلا التآمر علينا والطمع في خيراتنا واستهداف هويتنا الفريدة، هذا الانغلاق التام مضافا إليه ضعف حاد في الثقافة العامة جعل المواطن فريسة سهلة لأوهام التفوق العرقي والوطني، حيث يعيش الكثيرون اليوم في عالمهم الخاص الذي يتمتعون فيه بوهم الأفضلية لمجرد أنهم يحملون الجنسية الليبية ويرون المؤامرات تحاك ضدهم في كل زاوية، فهذا يريد لدولتهم الفشل، وهذا يريد نفطهم، والآخر يريد غازهم، وبين هؤلاء سود يريدون السيطرة على جنوبهم، وفلسطينيون يريدون الاستيطان في شمالهم، ولم ينتبه أحد لفكرة أن المتهم بالاستيطان تدور دائما مع صاحب المصلحة في إطلاقها، فقبل سنوات قليلة كنا نسمع عن مشاريع لتوطين ملايين المصريين في الشرق، مدعمة بإعلانات ممولة تشجع على طردهم وإغلاق الحدود في وجههم، أما اليوم فقد اختفت هذه الحملات تماما، ليحل محلها إعلانات أخرى بنفس اللغة ونفس الأسلوب، مع ممول آخر أو ربما حتى نفس الممول؛ غير أنها هذا المرة تستهدف الفلسطينيين!
لو كان لدى هذا المواطن قليل من الوعي لأدرك فورا أنه يشترك في هذه النرجسية الزائفة مع كل الشعوب والجماعات المتخلفة والمنغلقة على وجه الأرض، ولو فكر قليلا لأدرك أن دول العالم تسعى وراء مصالحها الحيوية فقط وتؤمن منافعها دون أن تضع الليبيين في مركز الكون كما يظن، ولو ملك بعض البصيرة لعلم أن فشلنا كدولة هو نتاج طبيعي لتهاوننا في خدمة بلادنا وصمتنا عن الفساد والفاسدين وليس لأن أمريكا أو أوروبا تخطط ليل نهار لإسقاط تجربتنا العظيمة أو تدمير هويتنا الفريدة.
لو تحرك العقل قليلا لأدرك الجميع أن المهاجر الأفريقي لا يحلم بالاستيطان في صحراء قاحلة يفر منها أهلها الأصليون كل يوم؛ بل يراها مجرد معبر شاق نحو الضفة الأخرى، ولو نظروا للواقع لعرفوا أن الشعب الفلسطيني الصامد وسط أشلاء الكارثة دفاعا عن أرضه وعرضه لن يترك قضيته وتاريخه ليأتي مستوطنا في هذه البقعة العجفاء.
الحقيقة البسيطة هي أن الأقوياء هم من يوجهون بوصلة الغوغاء نحو الضعفاء لكي لا ينتبهوا لمن يسرقهم ولكي لا يصبحوا أقوى، ولا سبيل لكسر هذه الدائرة الخبيثة وإقصاء المتربصين إلا بالقوة، ولا وجود للقوة بدون الوعي الحقيقي، وسيظل الوعي بعيدا جدا عن مجتمع يجهل ثقافات جيرانه ويرفض فهم الواقع ويستقي معلوماته وأفكاره وحتى عقيدته السياسية من صفحات مجهولة تديرها غالبا تلك البوتات التي يتحدث عنها المدونون.