السياسي

ليبيا: من ثلاثة أقاليم إلى أربع أزمات!

ليبيا: من ثلاثة أقاليم إلى أربع أزمات!

ليبيا: من ثلاثة أقاليم إلى أربع أزمات!

 

"أكثر زيت، أحلى زميتة".. هكذا يختزل الموروث الشعبي الليبي فكرة أن الزيادة في الشيء تمنحه جودة وبركة، وهي قاعدة قد تصلح في طهي الطعام وتدبير شؤون الحياة البسيطة، لكنها حين يتم إسقاطها على الواقع السياسي المعقد في ليبيا، تتحول إلى مفارقة تثير السخرية والقلق في آن واحد، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من تشظ غير مسبوق، وانقسام حاد يمزق أوصالها بين حكومتين وجيشين وسلطتين متنافستين، يفاجأ الليبيون بإعلان رسمي غريب من نوعه، يبشر بولادة ما سمي "إقليم المنطقة الوسطى"، لتتحول الأقاليم التاريخية الثلاثة للبلاد إلى أربعة أقاليم بحسب مبتدعي هذا الكيان الجديد، وكأن لسان حال هؤلاء يقول إن زيادة المكونات السياسية والجغرافية المتصارعة ستحل الأزمة، متناسين أن زيادة "الزيت" في "صونية" الوطن المثقوبة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الغرق في مستنقع التشتت، وتعميق الأزمة بدلا من حلها.

إن أولى المعضلات التي تواجه هذا الإعلان الوليد هي شرعيته وقانونيته الغائبة؛ فالإعلان الدستوري المؤقت، الذي يستند إليه النظام السياسي الحالي في البلاد، لا يعترف أصلا بفكرة الأقاليم كنظام إداري أو سياسي حاكم، بل إن بناء الدولة الليبية الحديثة قام على مفهوم الإدارة المحلية والبلديات.

من هنا، فإن السعي المحموم الذي تبديه بعض الأطراف، لا سيما في المنطقة الشرقية، لترسيخ فكرة الأقاليم التاريخية الثلاثة والدفاع عنها كحتمية سياسية، لا يبدو في حقيقته إلا محاولة واضحة لشرعنة التقسيم الواقعي، أو في أقل تقدير، التلويح به واستخدامه كورقة ضغط وتهديد مستمر لتحصيل أكبر قدر من المكاسب السياسية والمالية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

وفي خضم هذا التجاذب، يبرز تساؤل جوهري: لماذا يسعى من يدعي حرصه على وحدة تراب الوطن وسلطته السياسية إلى مجاراة هؤلاء الذين يرسخون التقسيم، بل ويذهب أبعد من ذلك عبر استحداث إقليم جديد؟ إن الإقدام على خطوة كهذه يمثل طعنة في خاصرة التوجه نحو التوحيد، ويسهم بوعي أو بدون وعي في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، بدلا من تكثيف الجهود للم شتات الليبيين وإنهاء حالة الثنائية الحكومية والعسكرية التي ترهق كاهل المواطن والوطن على حد سواء.

وتظل علامات الاستفهام الكبرى تحوم حول كواليس هذا الإعلان الغامض وطبيعة الخيوط التي تحركه من خلف الستار، وتحديدا موقف حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وهل ستتجه نحو الاعتراف بهذا الإعلان أم سترفضه كليا؟ إن التدقيق في هوية الجهات المطلقة للمشروع يكشف أن بلدية مصراتة تشكل رأس الحربة والمحرك الأساسي فيه، ومصراتة كما هو معلوم تمثل المعقل الأصيل والحصن الحصين لرئيس الحكومة في طرابلس.

هذا الترابط الوثيق يضع المتابع أمام فرضيتين لا ثالث لهما؛ فإما أن يكون إعلان الإقليم تصرفا فرديا ارتجاليا من قبل النخب المحلية في تلك البلديات دون دراسة للعواقب، وإما أنه يمثل مناورة سياسية حظيت بمباركة وتوجيه غير معلن من رئاسة الحكومة نفسها لخلط الأوراق السياسية ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.

غير أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعيدا عن كواليس السياسة هو: ماذا سيترتب على هذا الإعلان على أرض الواقع؟ وما الذي يمكن أن تجنيه البلديات المشاركة فيه؟

 إن الإجابة المنطقية والواقعية تشير إلى صفرية النتائج؛ إذ إن عدم اعتراف الدولة وعدم تبني دستورها لهذه الكيانات يعني بوضوح تام أنه لن تكون هناك ميزانيات مرصودة لهذا الإقليم، ولا منافع اقتصادية أو إدارية ملموسة يمكن تحقيقها، وعليه، فإن هذا الإعلان يظل حبيس الورق، فلا هو يحمل منافع لمطلقيه، ولا يمثل ضررا مباشرا على أي طرف آخر لغياب الشريك الفعلي في هذه المعادلة، وهو ما يجعل الخطوة برمتها لا تعدو كونها ضربا من العبث السياسي الخالص وضياعا تاما للوقت والجهد في معارك وهمية لا تخدم الصالح العام.

وعلى الجانب الآخر من المشهد، وإذا ما نظرنا إلى البنية الجغرافية والديموغرافية للبلاد، فإن ليبيا بمساحتها الشاسعة جدا ومسافاتها المتباعدة تبدو أكبر بكثير من أن تختزل في ثلاثة أقاليم فقط في حال تم تبني هذا النظام في أي دستور جديد مستقبلي.

والواقع الحالي يثبت أن سكان القرى والبلدات البعيدة يعانون الأمرين من التهميش التنموي والخدمي لصالح العواصم والمدن الكبرى القريبة من مراكز القرار، وهو نفس المصير الذي سيواجهه سكان المناطق النائية في الأقاليم إذا ما استمر العمل بالتقسيم التقليدي، حيث ستلتهم الحواضر الرئيسية كل الموارد ويبقى الهامش على حاله. 

ومن هذا المنطلق، ألن يكون من الأجدى والأكثر حكمة، إذا كان ولابد من الأخذ بنظام الأقاليم، أن يتم تقسيم الأقاليم الثلاثة التقليدية إلى أعداد أكبر ومقاطعات متعددة تراعي بدقة المساحات الجغرافية الهائلة والتوزيع السكاني؟ إن تفتيت الكتل الإقليمية الكبرى إلى وحدات أصغر قد يكون السبيل الأنجع لتقريب الخدمات الأساسية من المواطن وتحسين جودتها، وتخفيف وطأة المركزية المقيتة، بدلا من خلق كيانات هلامية كإقليم المنطقة الوسطى، الذي ولد ميتا بلا أسس دستورية أو اقتصادية، ولم يزد المشهد الليبي إلا تعقيدا وتشظيا في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كلمة سواء تجمع الشمل وتنهي الانقسام.