السياسي

موسم الكذب على الله!

موسم الكذب على الله!

موسم الكذب على الله!

 

خرج الليبيون أفواجًا أفواجًا باتجاه الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج هذا العام ، وكما كل عام، لم يختلف الأمر كثيرًا، حيث قُسِّم الليبيون إلى ثلاث فئات.

هناك فئة تمكنت من الحصول على الحج عبر آلية القرعة التي لا تتجاوز خمسة آلاف حاج، وهم السواد الأعظم من الليبيين ، تم رصّهم في منظومة عشوائية تعلقت بها آمال العجائز والشيوخ لعلها تنصفهم هذا العام، فاختارت الأكثر حظًا وتوفيقًا، وأجّلت حلم البقية إلى العام القادم إن أتى !

أما النوع الثاني، فيتمثل في الذين نسميهم (المبشرين بالجنة)، فهؤلاء الليبيون لا يمرون على المنظومة العمياء، بل يدخلون مباشرة إلى مرحلة (ألف مبروك، ستحج هذا العام) ، وهم لا يختلفون عن الليبيين المحشورين في الفئة الأولى أمام القانون أو التكلفة، حيث إنهم أيضًا يحجون على نفقة الشعب الليبي، لكنهم فقط يملكون أبناءً أو بناتٍ في السلطة الحاكمة شرقًا وغربًا، وهذا يكفيهم لأن يرتقوا اجتماعيًا، وحتى (أمام الله) في نظر من صمم هذه الحياة البائسة الخالية من العدالة، حتى في أكبر شعائرها.

أما النوع الثالث، فيمكن أن نسميهم (أصحاب البلد)، وهم قادة التشكيلات المسلحة، ورجال أعمال الأزمة الليبية، والمسؤولون في السلطة المتغلبة شرقًا وغربًا، المغمورة أيديهم بالدم والمال الفاسد المسروق من أموال الليبيين على رؤوس الأشهاد وأمام أعين التاريخ.

ومع هذا، يملكون القدر الكافي من الصفاقة ليذهبوا إلى الحج طالبين من الله المغفرة، وراغبين في أن يرجعوا إلى ليبيا كما ولدتهم أمهاتهم، وكأنهم في حالة من السريالية المتعمدة، منفصلين عن واقع الحال، متناسين كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تتحدث عن أن الأموال المسروقة، وسفك دماء الناس، وحبسهم، وجلدهم، وإفقادهم إمكانية أن يعيشوا حياة كريمة، كلها ذنوب لا تغفرها وطأة أقدامهم على الأراضي المقدسة.

فهذا ما وعد به الرحمن: العدل والحق ، وعنده لا توجد (واسطات)، ولا يتأتى لأحد أن يكذب عليه أو أمامه. 

يبين لك هذا المشهد حجم الانفصال الحقيقي الذي تعيشه هذه الفئة ، فهم لا يكتفون بسرقة البلاد وإفقار أهلها وسحق أحلامهم، بل وصل بهم الأمر إلى الاعتقاد أن بإمكانهم التفاوض حتى مع الله !  وكأن سنوات الظلم والفساد وإهدار أعمار الناس يمكن اختصارها في رحلة تمتد لأيام معدودة، يعود بعدها الإنسان خاليًا من كل ما ارتكبه في حق الآخرين.

ولذلك يبدو المشهد في ليبيا أكثر غرابة من مجرد موسم للحج، فهو يكشف كيف تنظر بعض الفئات إلى السلطة والمال والنفوذ بوصفها أدوات قادرة على فتح كل الأبواب ، فمن اعتاد أن يحصل على ما يريد بالواسطة، وأن ينجو من المحاسبة بالقوة، وأن يشتري الصمت بالمال، قد ينسى أحيانًا أن هناك ساحة واحدة لا تعمل بهذه القواعد.

هناك، حيث يقف الجميع بالثياب نفسها، وتسقط الألقاب والمناصب والحراسات والمواكب، لا يعود الإنسان قائد تشكيل مسلح، ولا مسؤولًا نافذًا، ولا رجل أعمال كوّن ثروته من خراب البلاد، ولا ابن مسؤول حصل على ما لم يحصل عليه غيره ،  هناك يعود مجرد إنسان يحمل على كتفيه حصيلة ما فعل، خيرًا كان أم شرًا.

ولهذا فإن أكثر ما يثير التأمل في هذا المشهد ليس ذهاب المذنب إلى الحج، فكل البشر يخطئون ويبحثون عن التوبة، وإنما ذهاب من لا يزال يمارس الظلم وهو يتحدث عن المغفرة، ومن لا يزال يحتفظ بحقوق الناس وهو يطلب الرحمة، ومن لا يزال يعتقد أن المشكلة تكمن في ذنوبه أمام الله لا في المظالم التي تركها خلفه بين الناس.

فالله الذي وعد بالمغفرة هو نفسه الذي وعد بالعدل ، والله الذي فتح باب التوبة لم يغلق باب الحقوق ، ولهذا لم يكن غريبًا أن يخاف الصالحون عبر التاريخ من حقوق العباد أكثر من خوفهم من كثير من الذنوب الأخرى، لأن الله سبحانه قد يغفر ما كان بينه وبين عبده، أما ما كان بين العباد فلا يملك إسقاطه إلا أصحابه.

وفي كل عام يتكرر المشهد ذاته؛ طائرات تقل المظلومين والظالمين إلى المكان نفسه، وأصوات تتعالى بالدعاء نفسه، وأيدٍ ترتفع إلى السماء بالرجاء نفسه ، لكن ما لا يراه الناس أن الجميع لا يصلون إلى هناك بالحمولة نفسها !

فبعضهم يحمل حقيبة سفر، وبعضهم يحمل فوق كتفيه أعمارًا أضاعها للناس، وحقوقًا منعها عن أصحابها، ودموعًا لم تجف بعد في بيوت لا يعرف أسماء أصحابها. 

وربما لهذا السبب بالتحديد، لم يعد أكثر ما يلفت الانتباه في موسم الحج الليبي هو من فاز بالقرعة ومن خسرها، بل أولئك الذين يتصرفون وكأنهم حصلوا على ضمانة مسبقة بالغفران ،  وكأن المشكلة لم تعد في ارتكاب الظلم، بل في إيجاد الطريقة المناسبة لغسله ، وكأن الله الذي يعلم السر وما أُخفى يمكن أن تنطلي عليه الحيل نفسها التي تنطلي على البشر.

وفي ليبيا، قد تنجح الواسطة في وضع اسمك ضمن قائمة الحجاج، وقد ينجح النفوذ في تجاوز الطوابير، وقد ينجح المال في شراء أفضل الخدمات وأقرب الفنادق وأيسر الطرق ، لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها ، حيث يمكنك أن تخدع منظومة القرعة، ويمكنك أن تخدع موظفًا أو مسؤولًا أو شعبًا بأكمله ، أما الله فلا توجد في حضرته قائمة استثنائية.