السياسي

بينما كنتم تلاحقون الصورة كانوا يسرقون الدولة !

بينما كنتم تلاحقون الصورة كانوا يسرقون الدولة !

بينما كنتم تلاحقون الصورة كانوا يسرقون الدولة !

 

كلما سقطت دولة من داخلها، بحث أهلها عن عدو وهمي يلومونه على خرابها، فقبل أيام ظهرت صور لطفلة وشقيقها، وصفت بأنها منافية للآداب العامة، فإذا بالجمهور الغاضب يقيم الدنيا ويقعدها، يطالب بإغلاق المدارس الأجنبية، وطرد الأجانب، ويتوعد كل من تسول له نفسه الخروج عن القيم.

وفي نفس الأيام تماما، ظهر تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة عن ليبيا، تحدث عن فساد ينهش هيكل الدولة، وسرقات بمليارات الدولارات، شركات وهمية بالأسماء والأدلة والوثائق، لصوص نهبوا وينهبون قوت الليبيين تحت أنظار العالم، ولم يهتم أحد، إلا قليل من النشطاء الذين ينفخون في (قربة مقطوعة). 

هذا هو المشهد الليبي بحذافيره، حيث نركز على قشور بينما ينخر سوس الفساد العظم من داخله. 

لنكن صريحين، ما الذي يسقط الدولة فعلا؟ هي ليست صورة طفلة ولا فتاة، مهما بلغت جرأتها أو استفزازها لشعورنا، السقوط الحقيقي يبدأ عندما يسرق المسؤول أموالك، عندما يأخذ الموظف راتب شهر كامل دون أن يرى مكتبه، عندما تتوقف الكهرباء لساعات يوميا وتنفق أموالها على ناد رياضي، عندما ينقطع الماء عن قريتك لأيام، عندما تبحث دواء والدك المسن فلا تجده.

أما السقوط الأخلاقي، فهو مؤلم بلا شك، لكن ضرره يبقى محصورا فيمن يمارسه أو من يختار التأثر به، فلا يمكن لأحد أن يجبرك على الفساد الأخلاقي، لكن الفساد المالي يجبرك على العيش في جحيم الخدمات المقطوعة والحياة البائسة. 

والمثال الأكبر على ذلك أوروبا؛ تلك القارة التي وصل فيها الانفتاح الأخلاقي –إن جاز التعبير- إلى حدود يكاد يصفها البعض بالمقززة، تجد فيها ما لا يخطر على بال، حرية غير محدودة تقريبا، قيم متعددة وحدود مفتوحة، ومع ذلك هي الأنجح على مستوى الصحة والتعليم والخدمات والبنية التحتية. 

لماذا؟ لأنهم يحاربون الفساد المالي أولا وقبل كل شيء، لأنهم يعرفون أن الفاسد المالي لا يفسد نفسه فقط، بل يفسد دولة بأكملها، يسرق مستقبل أجيال، وينهب دواء مريض ومقعد طالب وكهرباء عجوز.

لذلك تجد ملايين المسلمين يهاجرون إلى أوروبا طلبا للرزق والخدمات، تاركين وراءهم بلادهم التي تعيش وهم الفضيلة والأخلاق، بينما هي ترزح تحت نير الفساد والفقر والجهل ، هذه هي المفارقة المؤلمة لأقوام يدافعون عن منظومة قيم لا تطبق في واقعهم، بينما يغضون الطرف عن منظومة فساد تأكل أحلامهم وأرزاقهم وأطفالهم.

المشكلة أننا في ليبيا أصبحنا نعيش على نظرية المؤامرة العكسية، كلما سرق مالنا انشغلنا بقصة أخلاقية جانبية، كلما انقطعت السيولة أو ارتفع سعر الدولار ركزنا على ما يلبسه الآخرون، كلما انهارت المدرسة أو انقطع الكهرباء تحدثنا عن خطر الأفكار الدخيلة على أولادنا. 

أما من يسرق النفط ويأكل الميزانية ويستورد الدولار باعتمادات وهمية، فهو يضحك في الخفاء، ويعرف أن صاحب الضجة والصخب على مواقع التواصل سينشغل بفتاة أو صورة أو مقطع، وسينسى أنه لا كهرباء عنده ولا دواء ولا مدرسة ولا خدمات تليق بإنسان.

نحن نعيش انفصاما حادا بين ما نقول وما نفعل، نتحدث عن الأخلاق وكأننا ملائكة نمشي على وجه الأرض، مع أن أقلنا فسادا هو من يتقاضى راتبا شهريا من الدولة دون أن يقدم أي عمل، دون أن يداوم يوما واحدا في مكتبه، وللأسف؛ فإن هذا أهون الشر. 

هناك من يسرق الملايين عبر شركات وهمية، وهناك من يبيع الوقود المدعوم في السوق السوداء، وهناك من يتاجر بالدواء المدعوم، وهناك من يستورد سلعا رديئة بأسعار خيالية ويقتسم الفرق مع المسؤولين ، هؤلاء هم من يسقطون الدولة، هم من ينهشون جسدها ليلا ونهارا، هم من حولوا ليبيا إلى سوق للفاسدين ومائدة للناهبين.

أما طفلة ظهرت في صورة، فهي لن تسرق مالك، ولن تقطع عنك الكهرباء، ولن تمنع الدواء عن والدك، تأثيرها عليك اختياري، إن لم تعجبك فلا تنظر، إن رأيت فيها خروجا فلا تقلد، إن شعرت أنها تخالف قيمك فأنت وحدك من تختار الابتعاد. 

لكن الفاسد في المؤسسة الحكومية لا يمنحك خيارا، أنت مجبر على التعامل معه، مجبر على دفع الضرائب التي يسرقها، مجبر على العيش في البنية التحتية التي يدمرها.

هذا لا يعني أننا ندعو إلى الفجور أو ندافع عن أي سلوك خاطئ، بالتأكيد لكل مجتمع قيمه وأخلاقه التي يحافظ عليها، لكن عندما تختل الأولويات ويصبح الساقط الأخلاقي عندنا أخطر من السارق المالي، فهذا هو الخطر الحقيقي. 

لنطرح السؤال بصراحة، من يضرك أكثر، جارك الذي يشرب الخمر في بيته، أم الوزير الذي يسرق ميزانية الصحة؟

من يهدد مستقبل أبنائك، طالب يظهر بملابس غير لائقة في حفل مدرسي، أم شركة النفط التي تبيع الخام لحساب ملاكها؟

من يجعل حياتك جحيما لا يطاق، فتاة التقطت صورة مع شقيقها ونشرتها على فيسبوك، أم مسؤول الكهرباء الذي يتقاضى ميزانيات بالملايين بينما محطات التوليد متوقفة لعدم وجود صيانة؟ 

الإجابة واضحة جدا، لكن مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بوصلة للحكومات والسلطات في ليبيا، تعيش على الغضب السريع والمؤثرات البصرية، أما التقرير الأممي المكون من مئات الصفحات، بالأسماء والأرقام والعناوين والوثائق، فهو ثقيل ويحتاج إلى قراءة وتحليل ومتابعة، ولا يصلح لمشاهد الرييلز القصيرة.

الأخلاق شيء جميل، وهي أساس المجتمعات المستقرة، لكن الأخلاق بدون عدالة مالية هي مجرد ستار يخفي حفرة عميقة، فدول العالم المتقدم لم تبن على أنقى القيم الأخلاقية، بل بنيت على سيادة القانون ومكافحة الفساد، بغض النظر عن سلوكيات أفرادها في حياتهم الخاصة.

فأوروبا تعج بأمثلة من السقوط الأخلاقي، لكنها تقدم خدمات صحية مجانية، وتعليما ينتج مخترعين، وبنية تحتية تسهل الحياة، لماذا؟ لأن المسؤول هناك يعلم أنه إن سرق قرشا واحدا فسينتهي به المطاف في السجن، أما إذا لبس ما يريد أو نشر ما يريد، فذلك شأنه الشخصي لا علاقة له بالدولة. 

نحن في ليبيا عكس ذلك تماما، نوقف عن العمل مسؤولا نظيفا بسبب مخالفة أخلاقية، ونعين بدلا عنه (الحاج فلان) التقي ظاهريا، واللص الذي يأكل ناقة الله وسقياها. 

لا نقول دعوا الفساد الأخلاقي ينتشر، ولكن نقول: رتبوا أولوياتكم، فالعدو الحقيقي لدولتكم هو من يسرقكم، وليس من يغضبكم بصورة أو منشور، من يسرق الأموال لا يستثني أحدا، تأثيره شامل ولا يمكن تجنبه، أما من يخالف منظومتك الأخلاقية فتأثيره عليك اختياري، ولن يستطيع أن يجرك إلى فساده إلا إذا أردت أنت ذلك. 

لذلك سنقولها بكل فجاجة، صورة الطفلة وشقيقها لن تسقط الدولة، لكن صمتنا عمن يسرقون الدولة هو ما يسقطها، نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وقبل أن نطالب بإغلاق مدرسة أجنبية، لنطالب بفتح تحقيق في عقود وزارة التعليم التي فشلت في توفير الكتب لأبنائنا.

قبل أن نطالب بطرد أجنبي فاسد أخلاقيا، لنطالب بطرد المسؤول الليبي الفاسد ماديا الذي يبيع نفطنا لحسابه الخاص، وقبل أن ننشغل بما ينشره الآخرون على حساباتهم الخاصة، لنشغل أنفسنا بتقارير ديوان المحاسبة ووثائق لجنة الخبراء الأممية، فهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى.