السياسي

اجتماع روما: كسر الجمود أم إعادة تدوير الأزمة؟ 

اجتماع روما: كسر الجمود أم إعادة تدوير الأزمة؟ 

اجتماع روما: كسر الجمود أم إعادة تدوير الأزمة؟ 

 

في صورة تعيد إنتاج عبثية المشهد الليبي بكل تفاصيله، قررت بعثة الأمم المتحدة أن تخطو خطوة جريئة أو ربما يائسة، جمعت في روما بين مبعوثي الحكومة في طرابلس ومبعوثي خليفة حفتر، متجاوزة بذلك مجلسي النواب والأعلى للدولة.

لم تكن هذه الخطوة وليدة لحظة غضب أممية، بل جاءت بعد أن يئست البعثة من مماطلة المجلسين في إقرار قاعدة دستورية للانتخابات، فقررت أن تأخذ زمام المبادرة، أو هكذا بدا الأمر. 

قصة الخلاف قديمة، تتلخص في فشل الطرفين في التوافق على تغيير مجلس إدارة مفوضية الانتخابات، مجلس النواب بقيادة عقيلة صالح قرر أن يتراجع عن التفاهمات السابقة التي كانت تنص على تغيير المجلس كاملا، وقرر أن يكتفي باستكمال النقص في أعضاء المفوضية.

المجلس الأعلى للدولة من جانبه وصف الخطوة بأنها خلط للأوراق، وقام في جلسة رسمية بتكليف مجلس إدارة جديد ورئيس جديد للمفوضية، لكن الرئيس الجديد لم يستلم المنصب، وعماد السائح لا يزال يدير المفوضية وكأن شيئا لم يحدث.

وهذا بالضبط ما يريده المجلسان، فاختلافهما على المفوضية يعني عدم الاعتراف بقراراتها ومخرجاتها، وبالتالي لا انتخابات، وما يعنيه ذلك هو استمرارهما في المشهد إلى ما لا نهاية، يتناوبان على إنتاج أزمات جديدة كلما اقتربت لحظة الحل.

تعطينا خطوة البعثة الأممية قليلا من الأمل، ربما تكون هناك إمكانية حقيقية لإقامة الانتخابات هذه المرة، لكن هذا الأمل سرعان ما يصطدم بأسئلة ثقيلة. 

هل يقبل المجلسان بمخرجات اجتماع روما التي تكلف مجلسا جديدا للمفوضية؟ هل يعترفان بالمجلس الجديد ومخرجاته؟ وهل يمكن أن يحدث هذا بينما الجميع يعلم أن بعض من في المشهد الآن لا يمكن أن يقبل بنتيجة انتخابات لا تؤدي إلى فوزه؟

أسئلة مشروعة تطرح نفسها بقوة.

فهل تقام انتخابات غير مضمونة النتائج؟ وما هو مصير مخرجاتها إن لم ترض سلطات الأمر الواقع الموجودة على الأرض؟ 

مجلس النواب الذي يوصف بأنه مرتهن لحفتر لم يعلق على مخرجات روما حتى الآن، وكذلك المجلس الأعلى للدولة المرتهن للدبيبة لم يفعل ، فهل ينتظر أحدهما الآخر؟ أم أن الأوصياء الحقيقيين للطرفين لم يصدرا بعد أوامرهما لوكلائهم في المجلسين بإصدار بيانات الترحيب أو الرفض؟ 

النائب العام الذي اقترحت مخرجات اجتماع (4+4) في روما أن يرشح شخصية من رجال القضاء ليقود مجلس إدارة المفوضية، لم يعلق هو الآخر، لم يرحب ولم يرفض، فما سيكون موقفه؟ وهل سيقبل بدور رشحته له جهة لم تكن موجودة أصلا؟ أم سيبقى على حياده الحذر الذي يميزه؟ 

هذه الأسئلة وغيرها تجعلنا نتوقف عند نقطة جوهرية، هل يكون اجتماع روما خطوة حقيقية نحو انتخابات طال انتظارها؟ أم أنه مجرد حركة جديدة على رقعة الشطرنج الليبي؟ 

حركة هدفها إطالة أمد الأزمة وإبقاء من هم في الحكم في موقعهم، يتقاسمون السلطة والميزانيات ويوزعون الأدوار بينهم، تارة يظهرون كخصوم وتارة كشركاء ، كما لا يمكننا أن ننكر أن تجاوز البعثة للمجلسين كان ضروريا، فالمجلسان أثبتا على مدى سنوات أنهما عائقان أمام أي حل، وأن مصلحتهما الشخصية تعلو على مصلحة الوطن والمواطن. 

لكن السؤال الأهم هو: هل البعثة الأممية قادرة على فرض مخرجات هذا الاجتماع على الأرض؟

هل تملك آليات تنفيذ حقيقية؟ أم أنها ستبقى حبيسة النوايا الحسنة كما حدث في اتفاق الصخيرات وملتقى جينيف واتفاق وقف إطلاق النار؟ 

التجارب السابقة تقول إن البعثة غالبا ما تكتفي بدور الوسيط صاحب الرأي، دون أن يكون لديها القدرة على إجبار الأطراف على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ، وهذا بالضبط ما تستغله الأطراف الليبية، فهي توافق على كل شيء في الاجتماعات، وعند العودة تبحث عن ثغرات التراجع والمراوغة. 

حفتر والدبيبة وعقيلة صالح وتكالة، كلهم يعرفون أن بقاءهم في المشهد مرهون باستمرار الأزمة، فأي انتخابات حقيقية قد تأتي بوجوه جديدة وتقصيهم، وقد تخرج الأمور عن السيطرة تماما ، لذلك فهم يفضلون استمرار الوضع الحالي، يتظاهرون بالصراع ويتحاربون بالوكالة عبر بيانات المجالس والحكومات، بينما الحقيقة أنهم شركاء في تقاسم الغنائم. 

المواطن الليبي الذي ينتظر انتخابات منذ سنوات، لم يعد يهمه كثيرا من يفوز، بقدر ما يهمه أن يرى نهاية لهذا العبث، أن يشعر أن هناك أمل في الاستقرار، أن تفتح المصارف أبوابها دون زحام، وألا تنقطع الكهرباء، وأن يعيش كباقي شعوب الأرض ، لكن يبدو أن هذا المواطن سيظل ينتظر طويلا، فطالما أن من يملك السلاح هو من يتحكم في القرار، وطالما أن المجالس مجرد واجهات، وطالما أن البعثة الأممية لا تملك أدوات الضغط الحقيقية، فإن اجتماعات روما وجنيف والقاهرة وكل عواصم العالم، لن تكون سوى جولات جديدة في مسلسل الإطالة والتسويف. 

نعم نحن مع أي جهد حقيقي لإجراء الانتخابات، ومع أي خطوة تكسر جمود المجلسين ومماطلتهما، لكننا لا نريد أن يتحول حلم الانتخابات إلى سراب آخر، نركض خلفه فنزداد عطشا. 

ربما تكون هذه المرة مختلفة، ربما تكون البعثة قد تعلمت من أخطائها السابقة، وربما يكون الضغط الدولي قد وصل إلى درجة تجعل الأطراف الليبية تلتزم الصمت بدل الرفض العلني، لكننا تعلمنا في ليبيا ألا نرهن أحلامنا بالربما، فالربما كثيرا ما خذلتنا، وكثيرا ما حولت التفاؤل إلى خيبة ، نراقب ما سيحدث في الأيام القادمة، نترقب بيانات المجلسين وموقف النائب العام، وننتظر لنرى إن كان هذا الاجتماع سيولد جنينا حيا يسمى انتخابات، أم أنه سيسقط كسابقاته في سلة إجهاض المصالح الضيقة. 

في النهاية، يبقى الأمل أن يكون اجتماع روما فعلا قفزة نحو الحل، وأن تكون الأمم المتحدة هذه المرة قد أدركت أن التعامل مع الأطراف التقليدية لن يجدي، وأن تجاوزها هو الطريق الوحيد لكسر حالة الجمود. 

لكن التاريخ يعلمنا ألا نستعجل الأحكام، فالشطرنج الليبي معقد، وكل حركة فيه قد تكون خدعة، والخصوم قد يتحولون إلى حلفاء في لحظة، والحلفاء إلى خصوم في اللفة التالية، سننتظر ونرى.