السياسي

من الانتخابات إلى الصفقات: كيف غيّرت البعثة قواعد اللعبة؟

من الانتخابات إلى الصفقات: كيف غيّرت البعثة قواعد اللعبة؟

من الانتخابات إلى الصفقات: كيف غيّرت البعثة قواعد اللعبة؟

 

مرة أخرى، تتفوق البعثة الأممية في ليبيا على نفسها، ليس في الفشل فقط، بل في قدرتها المذهلة على التناقض، فبعد سنوات من الشعارات البراقة عن الانتخابات، وعن الحوار المهيكل الذي سيفضي إلى شرعية جديدة، فاجأتنا بحوار "مصغر"، أربعة من الشرق يمثلون خليفة حفتر، وأربعة من الغرب يمثلون حكومة عبد الحميد الدبيبة، وكأن البلاد مزرعة خاصة لرجلين يتحاوران على تقسيمها.

ولكن ما الذي تغير؟ فالبعثة كانت تصر على أن مخرج الأزمة هو صناديق الاقتراع، وكان الحوار المهيكل مصمما لتسهيل التوافق على قاعدة دستورية تمكن من انتخابات تجدد الشرعية وتقصي هذه الهياكل المهترئة، ولكن فجأة، نكتشف أن الخريطة انقلبت، وأن أفكارا جديدة ظهرت على السطح، لماذا؟ 

هنا تفوح رائحة الضغوط الأمريكية، فستيفاني خوري، نائبة رئيس البعثة، أمريكية، ومسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، كان يروج لتقاسم السلطة بين حفتر والدبيبة منذ زمن، وخطته التي ظهرت للإعلام مؤخرا أشهر من أن تذكر، فهل نجحت واشنطن أخيرا في توجيه البعثة نحو مخرج تفاهمي يكرس الانقسام بدلا من حله؟ أم أن البعثة رضخت ببساطة لسياسة الأمر الواقع، وقررت أن تتعامل مع من هم على الأرض، حتى لو كانوا يمثلون طريقا مسدودا أمام ما صرحت بأنه هدفها الوحيد؟

هانا تيتيه، المبعوثة الأممية، قالت في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن إن المسارين –الحوار المهيكل والحوار المصغر- يعملان معا، وهذا كلام غير دقيق، بل متناقض بكل فجاجة، وهي نفسها من وصف التعيينات الوزارية الأخيرة لحكومة الدبيبة بأنها "غير توافقية" وقد تفتقد الشرعية، كيف تتعامل مع شخص لا يملك شرعية تغيير وزير في حكومته كطرف حاكم يفترض أنه يمثل الغرب الليبي كله؟ 

وهنا تأتي النكتة الحقيقية، فلنفترض، جدلا، أن خليفة حفتر يمثل الشرق بسلطانه المطلق، ففي الواقع لا معارضة لحكمه في شرق البلاد وأجزاء كبيرة من جنوبها، وكل من ينتقده إما مهجر أو سجين، لكن من يمثل الغرب على هذه الطاولة المصغرة؟ الدبيبة؟ هذا الرجل الذي لا يحكم سيطرته على طرابلس نفسها، فما بالك ببقية المنطقة الغربية؟

تعالوا نتمشى قليلا في العاصمة ولنبدأ بشرقها: عبد الرؤوف كارة وقوته؛ قوة الردع الخاصة ما زال متحصنا في قاعدة معيتيقة، ويتمتع بدعم عسكري وشعبي، ونجح في تعزيز قوته بابتلاع فلول غنيوة المهزومة، هل هو مع الدبيبة؟ بالعكس، هو شوكة في خاصرته. 

لنتجه الآن إلى غرب طرابلس: جنزور حيث فلول جهاز دعم الاستقرار، الذي أصدر الدبيبة قرارا بحله، لكن المجلس الرئاسي أصدر قرارا باستمراره، هو صداع دائم ومصدر قلق مستمر، خاصة مع حاضنته الشعبية في الزاوية التي يسيطر عليها من يعتبرون الدبيبة مجرد ممول، ليس قائدا، وفي جنوب غرب طرابلس، في ورشفانة، معمر الضاوي، حليف غير مأمون الجانب، يجيد اللعب على كل الحبال، وخلفه، أسامة الجويلي وهو قائد عسكري قوي معترف به من المجلس الرئاسي، وعدوه المعلن هو الدبيبة.

هذا داخل طرابلس، أما خارجها، فمعظم المناطق الغربية لا تميل للدبيبة إلا لأنه يوقع صكوك الميزانية، ويوم تنتفي هنه هذه الصفة، لن يجد خلفه أحدا. 

فبأي مقياس قررت البعثة أن هذا الرجل يمثل الطرف الغربي في حوار مصغر يقرر مصير البلاد؟ هل لمجرد أنه شارك بمقاتلين يتبعون وزارة دفاعه في مناورة عسكرية مشتركة مع قوات حفتر؟ هذا هو معيار الشرعية الجديد؟ مناورات استعراضية تعطيك الحق في صياغة مستقبل ملايين البشر؟ 

الطريف أن هذه المعطيات لم تخف على أحد، فمحمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، الذي كان يعتبر هيكلا شكليا ولاعبا هامشيا، بدأ يطلق البيانات الثورية على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الأرض، جمع المنفي المناوئين للدبيبة في طرابلس والغرب، وعقد معهم لقاءات ظاهرها التنسيق الأمني، وباطنها رسالة مشفرة مفادها: نحن هنا، أصابعنا على الزناد، ولن نقبل أن يتم تخطينا لحساب صفقات عائلية.

حتى حلفاء الدبيبة أنفسهم لم يباركوا المبادرة، بل هو نفسه، عبر ذراعه في المجلس الأعلى للدولة، ألقى حجرا في البركة الراكدة، كأنه يقول: أنا لست معنيا بهذه الصفقة، ولو كنت كذلك لقبلها من يتبعني، قراءة ذكية لاتجاه الأمواج.

أما عن المبادرة الأممية، فهي تدمر نفسها بنفسها، مبادرة تتعارض مع مبادرة، حوار مهيكل وحوار مصغر، مساران يفترض أنهما متوازيان وفي الحقيقة هما متناقضان، وكأن البعثة تعمل لحساب مصالح متضاربة، أليس طول الخيط يضيع الإبرة، كما يقول المثل؟ 

وخلف كل هذه المناورات، هناك سؤال وحيد لا يريد أحد طرحه: أين الشعب؟ 

الشعب الغائب دائما عن طاولات الحوار، الشعب الذي يدفع الثمن، فهو الجنود الذين يقتلون، والمهجرون الفقراء الذين يعانون، والطلاب الذين لا يجدون تعليما، والمرضى الذين لا يجدون دواء.

كل هذه المبادرات تتحدث عن توافق وعن تفاهم، وعن تقاسم صلاحيات، هدفها الوحيد هو إبعاد شبح الانتخابات عمن ستضره الانتخابات، لأن الممثلين الحقيقيين على الطاولة يعرفون أنهم سيسقطون في أول انتخابات حقيقية، لذا هم يفضلون استنساخ الفشل.

المستفيد الأكبر من الحوار المصغر هو نفس المستفيد من عدم نجاح أي مبادرة، وهو من يريد إطالة أمد الأزمة، من يربح من الفوضى ويصنع الثروات على أنقاض الدولة، والبعثة الأممية وبضغوط أمريكية؛ ترقص على أنغامهم.