بين البقاء والرحيل صراع لا يُرى ؟
خلف كل رقم إحصائي جاف، هناك قصة كُتب فصلها الأخير في صمت؛ إنها نهاية رحلة إنهاكٍ نفسيٍّ طويل في مجتمع يصارع للبقاء وسط أمواج متلاطمة من الأحداث القاسية ، إن الحديث عنهم لم يعد ترفًا، بل أصبح حاجة ملحّة لفهم التصدعات التي عاشها ويعيشها مجتمعنا منذ أكثر من عقد.
تزداد هذه المأساة حين تصطدم بجدار الصمت المجتمعي؛ مواراة الحقيقة خجلًا وخوفًا من نظرة المجتمع، همسات خافتة وهذا كل شيء. نحن هنا ليس للحديث عن أرقام وإحصائيات، أو عن الانتحار كحادثة معزولة، بل للنظر إليه كمرآة تعكس وجعًا جماعيًا يعيشه هذا المجتمع بصمت ، ونحن هنا أيضًا لنستعرض الأسباب، ونفتح أبوابًا جديدة للنقاش، طمعًا في تغيير قد يطرأ.
في الأعوام الماضية شهدنا تصاعدًا مقلقًا لهذه الأزمة، يعود ذلك إلى قائمة من الأسباب لا يتسع الوقت لذكرها جميعًا، ولكن سنحاول الاقتضاب في الحديث عن أبرزها:
العوامل النفسية:
نحن هنا لا نتحدث عن حزن عابر، بل عن بنية نفسية متهاوية؛ نتحدث عن صدمات نفسية متكررة نتج عنها الوصول إلى نقطة اللا حياة. لا نبالغ إن وصفنا الحالة النفسية في ليبيا بأنها اكتئاب جماعي؛ فكل ما حدث، وما يزال يحدث، من أزمات أمنية، بدأ تأثيره منذ الطفولة لدى الشريحة العمرية بين 17 و27 عامًا، وكذلك لدى فئة الشباب الأكبر سنًا.
تراكم هذه الصدمات، وكونهم شهودًا على فقدان الأقران، ثم مشاهدة ضياع ما تبقى من هذا الجيل، وما تبع ذلك في السنوات القليلة الماضية من رؤيتهم يختارون الموت على الحياة، أنتج -كنهاية طبيعية لسلسلة هذه الأحداث- شعورًا بالعجز المكتسب وفقدان المعنى من الحياة بأكملها. محاولاتهم المتكررة للنجاة، التي باءت بالفشل في معظمها، أدت إلى تآكل ما تبقى لديهم من الأمل. أحلام كُتب لها أن تبقى أحلامًا، وواقع غير محفّز يتعمّد إجهاضها.
كما أن شحّ ثقافة طلب المساعدة لدى من يعانون نفسيًا، وضعف الوعي بالصحة النفسية عمومًا، أسهما في الوصول إلى ما نحن عليه الآن.
العوامل الاقتصادية:
نحن هنا لا نتحدث عن الفقر، وإن كنا لا ننكر وجوده، بل عن انعدام الأمان المادي، وشعور الفرد بإهدار كرامته بفقدانه السيطرة على أبسط تفاصيل يومه من الناحية المادية. التضخم المستمر، والطوابير المتنامية، وتآكل الطبقة المتوسطة، وسعر الصرف الذي أصبح يتحكم -بشكل ما- في “سعر الروح”، وغيرها الكثير، كل ذلك نتج عنه يأس جماعي نقف عليه كل يوم.
يستشعر الشاب هذه الحالة في أبسط تفاصيله، خاصة عندما يفكر في آماله، ويعي حجم الفجوة بين أحلامه والواقع، ويرى كيف يبتعد الأمان المادي يومًا بعد يوم. غياب الفرص، وتنامي طبقة أغنياء الحروب، والمقارنات الاجتماعية، كل ذلك يمارس عنفًا نفسيًا قاتلًا على الشاب، يرى من خلاله أنه لا مجال للنجاة إلا بالهروب من الوجود بأكمله.
العوامل السوسيولوجية:
بالحديث عن العوامل السابقة، لا بد من التطرق إلى العامل الاجتماعي، الذي يُعدّ بمثابة التربة التي سمحت لبقية العوامل بالازدهار. فكل الأزمات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت زلازل تهز البنية الاجتماعية كاملة؛ فكّكت الروابط، وأدّت إلى اهتزاز قاسٍ في مصدّات الصدمات الاجتماعية، وتآكل القيم، وفقرٍ حقيقي في الاحتواء لأفراد هذا المجتمع. كما أن النزوح المتكرر والشتات داخل الوطن عززا شعور الفرد بعدم الانتماء لجماعة أو لمكان بعينه.
عزلة اجتماعية طويلة، وشعور راسخ بأن الجماعة لا تقدّر المجتهد ولا تحمي الضعيف من أفرادها، وسّعت الفجوة بين الفرد ومجتمعه، وهذا على صعيد المجتمع بأكمله.
أما على مستوى الأسرة، فأبرز ما يمكن الحديث عنه هو محاولات تجريم العائلة للألم النفسي والمعاناة، ودفع أفرادها للاحتراق بصمت في الغرف المظلمة، والنظر إلى هذه المعاناة، في كثير من الأحيان، على أنها مجرد (ضعف إيمان)، مما يمنع الفرد من طلب المساعدة. وعندما يقع الانتحار، تُنسب له أسباب غير حقيقية لحماية سمعة العائلة، والنجاة من وصمة العار.
النقاش:
أبرزت نتائج ورقة بحثية نُشرت عام 2012 من قبل جامعة ييل الأمريكية، كلية الصحة العامة، حجم الحاجة المحتملة إلى خدمات الصحة النفسية في ليبيا بعد انتهاء النزاع.
وقدّرتها بـ154 موظفًا متخصصًا بدوام كامل للاستجابة لحالات اضطراب ما بعد الصدمة. هذه الورقة نُشرت قبل عدد لا بأس به من الأزمات والحروب، لذا يمكننا -على أقل تقدير- مضاعفة هذا العدد مرتين أو ثلاث مرات. وهذا على صعيد المؤسسات الرسمية وما يمكنها تقديمه للحد من هذه الأزمة.
أما كمجتمع، فربما يجدر بنا الانفتاح أكثر على النقاش، ومواجهة أنفسنا بمسؤوليتنا الجزئية عمّا يحدث لشبابنا. ربما تماهينا أكثر من اللازم مع ما يحدث في بلادنا منذ فترة ليست بالقصيرة، فتشوّشت عدستنا، ولم نعد نرى كيف أثّر كل ذلك على يافعينا. تقاطع هذه الأزمات خلق ضغطًا خارجيًا تحوّل مع الوقت إلى محاولات مستمرة من الشاب لتدمير نفسه بنفسه. كما أن نقص الاهتمام الرسمي، وعدم اعترافنا كمجتمع بهذه الأزمة، يؤخران حتمًا تقديم أي حلول حقيقية. ولمواجهة هذه الأزمة، ينبغي أن نستبدل التستّر بالمكاشفة.
هؤلاء الشباب ليسوا مجرد أرقام في سجلات؛ هذه قصص غير مكتملة، أحلام غير محققة، وحكايات رمى كاتبها القلم في منتصفها. اختيارهم للانتحار لم يكن اختيارًا للموت بقدر ما كان رفضًا للواقع. هؤلاء ناقوس خطر، وترمومتر ينذرنا بما وصل إليه هذا المجتمع، وما آلت إليه الدولة. ربما يجدر بنا أن نبدأ بالإنصات لصرخاتهم، وأن ننظر بإمعان إلى ندوبهم، التي هي ندوبنا كمجتمع بأكمله. فكل هذه الجراح النازفة تحتاج إلى تضميد، لا إلى تستّر.
نجاتنا في تضافرنا لاستعادة حقهم وحقنا في الأمل؛ إن الصمت عن هذه المأساة هو تواطؤ صريح في استمرارها.