السياسي

هل سقطت "أركنو" فعلاً أم تغيّر اسمها فقط ؟

هل سقطت "أركنو" فعلاً أم تغيّر اسمها فقط ؟

هل سقطت "أركنو" فعلاً أم تغيّر اسمها فقط ؟

 

في خطوة أثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية والاقتصادية الليبية، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، توجيها بإيقاف التعاقد مع شركة "أركنو" التي ارتبط اسمها بصفقة خفية مثيرة للجدل بين عائلتي الدبيبة وحفتر، وتقوم فكرة الصفقة، وفقا للتقارير الصحفية والدولية، على تخصيص جزء من النفط الليبي للشركة لبيعه خارج حسابات الدولة لصالح أطراف نافذة، بينما كانت المهمة العلنية للشركة هي تطوير حقول شركة الخليج العربي لزيادة الإنتاج، هذا التوجيه، وإن جاء متأخرا، فإنه أثار من التساؤلات أكثر مما قدم من إجابات، ليضيف جدلا جديدا إلى جدل لم يتوقف حول نزاهة إدارة الثروة النفطية في ليبيا. 

أولى الإشكاليات التي أثارها الخبراء القانونيون هي أن ما صدر عن الدبيبة هو "توجيه" وليس قرارا رسميا بالإبطال، فوفقا للقانون الليبي، القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لا تلغى إلا بقرارات مماثلة، أما المؤسسة الوطنية للنفط، رغم استقلاليتها الفنية والإدارية، فإنها لا تملك صلاحية إلغاء عقود أقرها مجلس الوزراء سابقا، وبالتالي، فإن هذا التوجيه لن يكون نافذا إلا باتفاق حقيقي بين ملاك أركنو الحقيقيين، أو قد يوفر غطاء هشا للمؤسسة لمخالفة أهواء ملاك الحقول والموانئ في شرق البلاد، بل إن التوجيه نفسه ألقى باللوم على المؤسسة الوطنية للنفط "لعدم تمكنها من تبيان أهمية الصفقة"، دون أن يعترف بوجود فساد أو فشل فيها، هذا التناقض يطرح السؤال: هل نحن أمام تصحيح حقيقي، أم مجرد مناورة بإلقاء حجر في البحيرة الراكدة وترقب النتائج؟

كذلك لا يمكن فصل هذه الخطوة عن سياق الضغوط الداخلية والدولية المتصاعدة، فمنذ أشهر، يشهد الشارع الليبي ووسائل الإعلام المحلية موجة غضب عارمة من صفقات النفط غير الشفافة، واتهامات متبادلة بين الأطراف السياسية بنهب الثروة الوطنية، لكن العامل الأكثر حسما ربما كان تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الأخير، والذي سلط الضوء بشكل غير مسبوق على عقود شركة "أركنو" واصفا إياها بأنها خلقت "مؤسسة شبه موازية للمؤسسة الوطنية للنفط"، وأوصى بإنهاء مثل هذه العقود فورا. 

إلى جانب ذلك، يبرز الدور الأمريكي الذي يحاول الظهور بمظهر الحريص على استقرار ليبيا من خلال إدارة مواردها بشفافية، خاصة مع تعالي الأصوات المنادية بالانتخابات وتزايد النفوذ الدولي وتخوف الأمريكيين من استفادة روسيا بشكل من الأشكال من الثروة النفطية الليبية، فهل كان توجيه الدبيبة مجرد قربان يقدم لامتصاص الغضب الشعبي والدولي، وإعطاء انطباع بأن حكومته حريصة على الثروة الوطنية وعلى إدارتها بشفافية قبل أن تصدر توصيات دولية ملزمة بإيقاف التعاقد؟ يبدو أن التوقيت المتأخر للخطوة – بعد أشهر من التسريبات والتقارير – يعزز هذا التفسير. 

السؤال الأكثر إلحاحا هو: هل إيقاف التعاقد مع "أركنو" يعني نهاية صفقة عائلتي الدبيبة وحفتر، أم مجرد بداية لإعادة تدويرها تحت مسمى جديد؟ كل المؤشرات تشير إلى أن "الزواج السري" بين المعسكرين لا يزال قائما، فاللقاءات المكوكية التي جمعت إبراهيم الدبيبة بصدام حفتر – وهما العرابان الحقيقيان للصفقة – لم تتوقف، بل إن الحديث بدأ يتداول عن شركة "جليانة" كبديل محتمل، بنفس الآلية ولكن بعيدا عن الأضواء الإعلامية.

هذا السيناريو يعني أننا أمام عملية "تجميل" للصفقة الأصلية، بحيث تضمن استمرار تدفق العوائد للطرفين، ولكن تحت غطاء قانوني وتجاري أقل إثارة للجدل، وأكثر قدرة على التحايل على توصيات لجنة الخبراء الدوليين، بهذا المعنى، فإن إلغاء "أركنو" قد يكون مجرد تضحيات تكتيكية في معركة استراتيجية للسيطرة على النفط. 

هناك بعد آخر لا يجب إغفاله، وهو الربط بين هذه الخطوة والحديث المتزايد عن صفقة سياسية كبرى تعيد تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة، فوفقا للتسريبات المتداولة مؤخرا، يجري الإعداد لسيناريو يصبح بموجبه صدام حفتر رئيسا للمجلس الرئاسي (وهو منصب سيادي يمنحه حصانة وقبضة على القرارات الكبرى)، بينما يبقى عبد الحميد الدبيبة رئيسا للحكومة (ليظل مسيطرا على المال والإنفاق)، في هذا السياق، فإن التخلي عن "أركنو" قد يكون بمثابة إزالة عقبة أمام هذا التحالف الجديد، وإظهار حسن النية للجهات الدولية الداعمة لإعادة الهيكلة السياسية.

ورغم كل هذه المناورات، يبقى شبح إغلاق النفط الورقة الأكثر فاعلية وتهديدا في المشهد الليبي، فالقوى في شرق ليبيا، التي تتحكم بمعظم حقول وموانئ النفط، لم تتردد سابقا في استخدام إغلاق الإنتاج كورقة ضغط سياسية واقتصادية، وإذا شعرت هذه القوى –عائلة حفتر طبعا – أن حصتها من كعكة العقود مهددة، أو أن ترتيبات تقاسم النفط الجديدة لا ترضيهم، فلن تتردد في إعادة إغلاق الحقول مرة أخرى، وهذا يعني أن ثروة الليبيين لا تزال تُقاد بعقلية الغنيمة و النفط مقابل البقاء، وليس بعقلية التنمية والبناء. 

في النهاية، يبقى قرار إيقاف التعاقد مع شركة "أركنو" خطوة إيجابية ظاهريا، لكنها تثير أسئلة جوهرية أكثر مما تجيب، هل هو حرص حقيقي على ثروة الليبيين واستجابة لضغوط محلية؟ أم نزول على رغبة أطراف خارجية تريد ترشيد الإنفاق وتوحيد الميزانية؟ أم هي مناورة سياسية وإعادة تدوير للمصالح تحت مسمى جديد مثل شركة "جليانة"؟ أم تمهيد لصفقة كبرى لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية؟

المؤشرات كلها تقول إننا أمام مشهد معقد، حيث تمتزج الضرورات الدولية بالمصالح الخاصة، وحيث تصبح إدارة الفساد أحيانا أكثر ربحية من محاربته، والليبيون، الذين يئنون من أزمة معيشية خانقة وتدهور في الخدمات الأساسية، ينتظرون أفعالا لا توجيهات، وشفافية لا مناورات، وما لم تتحول هذه الخطوة إلى فتح شامل لكل عقود النفط للرقابة الحقيقية وإلى إصلاح جذري للمؤسسة الوطنية للنفط، فسيظن الكثيرون أن الأمر مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من النهب المنظم للثروة الوطنية تحت قبة الشرعية الهشة.