السياسي

لماذا يحبّ الليبيون القائد الأرقوز؟!

 لماذا يحبّ الليبيون القائد الأرقوز؟!

 لماذا يحبّ الليبيون القائد الأرقوز؟!

 

لو وقفت اليوم أمام الليبيين وسألتهم من هو القائد المثالي، سيعطونك مواصفات طويلة عن النزاهة والكفاءة والعدل والحكمة، ثم تراهم في الواقع ينجذبون بلا وعي  نحو القائد الأرقوز؟

 القائد المستعرض، المهرّج، صاحب الجملة الغريبة، الحركة الغريبة، اللبس الغريب، الرجل الذي يملأ الشاشة بدل أن يملأ الوزارات بالكفاءة !

الحقيقة المؤلمة أن الليبي لا يحبّ الرجل الرزين بقدر ما يحب الرجل الممتع، ولا يبحث عن رجل الدولة بقدر ما يبحث عن رجل “الفرجة” ، ولهذا لم ينجح مع الليبيين لا بشير السعداوي ولا محمود جبريل ولا جاد الله عزوز الطلحي ولا غيرهم  من الشخصيات الهادئة والعاقلة؛ لأنهم ببساطة أكثر رزانة مما يحتمل المجتمع، وأكثر صمتًا مما يناسب شاشة تعوّدت على الصراع لا التخطيط، وأكثر جدية مما يحتمله جمهور يريد عرضًا يوميًا لا مشروع دولة. 

معمر القذافي لم يحكم ليبيا 42 سنة لأنه عبقري سياسي، بل لأنه ظاهرة استعراضية ،  كان يعرف بالفطرة أن الليبي يريد “مشهدًا” لا “مشروعًا” ، ملابس غريبة، خطابات أغرب، مصطلحات هزلية، نبرة تهديدية، ارتجال دائم ، كل ذلك خلق حالة من التعلّق الدرامي، حيث لم تكن ليبيا دولة بقدر ما كانت مسلسلاً طويلًا، والقذافي بطلُه الوحيد.

وبعد الثورة، حين ظن بعض الليبيين أنهم نضجوا، ظهر عبد الحميد الدبيبة ليبرهن العكس. رجل لديه قدرة خارقة على تحويل الجملة البسيطة إلى نكتة، وعلى شرح القضايا الكبرى وكأنها دردشة مقهى. سطحي، عفوي، مرتجل، طفل سياسي في جسد مسؤول كبير، ومع ذلك  وربما لهذا السبب تحديدًا  تعلّق به الناس ؟  لأنه يشبههم ، فوضوي، مرح، غير رزين، يعيش اللحظة بدل التخطيط، تمامًا كالمشهد الليبي نفسه. 

والغرابة أن هذه الظاهرة ليست طارئة ولا وليدة اليوم، بل ممتدة في التاريخ الليبي نفسه ، ففي العصر القرطاجي، لم تكن طرابلس تُدار كمدينة تُبنى وتُحكم، بل كمعسكرٍ متقدّم، يتغيّر فيه القائد بتغيّر الحرب، ويُفرض فيه النظام بالخوف لا بالقانون. كانت السلطة عسكرية في جوهرها، تُدار بالعصا وباستعراض القوة، لا بالمؤسسات ولا بالاستقرار، ومع ذلك استمر هذا النمط لأن الناس، في ذلك الزمن كما اليوم، اعتادوا احترام السيف أكثر من العقل.

وفي برقة، يبرز نموذج ماسينيسا، الملك الذي صعد بقوة شخصيته لا بهدوء حكمته، والذي بنى مجده على الاستعراض والهيبة الجسدية والقرار الفردي ، ورغم تقدّمه في السن، ظل حاضراً في الميدان، صاخباً، متقلّباً، يُغيّر مواقفه حسب مصلحته، ومع ذلك ظل محبوباً، لا لأنه الأكثر عدلاً، بل لأنه الأكثر جرأة، فالشعوب المأزومة غالباً ما تعشق القوي حتى لو أرهقها. 

ثم نصل إلى بطليموس أبوين، حاكم قورينا، الذي لم يُسقطه شعبه ولم يُحاسبه تاريخه، بل سلّم البلاد طواعية إلى الرومان، وكأن الأرض ليست أرضه، وكأن السيادة تفصيل ثانوي ، لم تُشعل الحادثة غضباً عاماً، ولم تُعتبر إهانة وطنية، بل مرّت كخبر عابر، وهو ما يكشف أن الخلل لم يكن في الحاكم وحده، بل في قابلية المجتمع للتنازل، والتأقلم، والصمت.

أما في العهد الروماني، فقد تعاقب على طرابلس وبرقة ولاة لم يُعرفوا بالحكمة ولا بالإدارة، بل بالعبث والاستعراض، بعضهم حوّل الحكم إلى مسرح شخصي، وبعضهم مارس السلطة كمزاج، يهدم ويعاقب ويكافئ دون معيار، ومع ذلك استمروا، لا لقوتهم، بل لأن المجتمع تعلّم عبر قرونه الطويلة أن يتعايش مع الجنون أكثر مما ينتفض عليه .

المشكلة إذًا ليست في القادة، بل في الجمهور. لو كان الليبي يرفض القائد الأرقوز لما حكمه القذافي عقودًا، ولما احتضن الدبيبة اليوم، ولما طرد المجتمع شخصيات رصينة مثل جبريل وغيرهم لمجرد أنهم “هادئون أكثر مما يجب” الليبي، من حيث لا يدري، يخاف من القائد العاقل. لأن العقل يعني قوانين، ضبط، مؤسسات، محاسبة وهذه الأشياء تربك مجتمعًا عاش طويلًا على ردود الفعل لا على التخطيط ، الليبي يريد قائدًا يصرخ، ينكت، يلبس لباسًا غريبًا، يشتم خصومه بأسماء مضحكة، يجعل السياسة مسرحًا يوميًا، لا منظومة عمل.

وقد يكون الاستنتاج الأكثر مرارة هو أن هذه الأمة  حتى الآن لا تريد أن تتقدّم ، هي تريد هذا النمط من الفوضى الممتعة، هذه “الأرقوزية السياسية” التي تعطي شعورًا بالحدث، وتبعد الناس عن مواجهة الحقيقة: أن بناء الدولة يحتاج صبرًا وانضباطًا وقرارات غير شعبية، بينما عرض الأرقوز لا يحتاج سوى جمهور. ربما الليبي يحب القائد المهرّج لأنه يشبه حياته ومعاناته وفوضاه وضحكه المبكي. يريد قائدًا يعيش داخل المأساة لا فوقها، قائدًا يشارك الناس تناقضاتهم بدل أن يواجهها، قائدًا يشبه مدينة تضحك وهي تغرق. 

هل يمكن لهذه البلاد أن تحكم نفسها يومًا؟ ربما، ولكن فقط عندما يقرّر الليبي لأول مرة أن يبحث عن رجل دولة لا رجل عرض، وأن يتوقف عن الاحتفاء بالمهرّج بدل المهندس، وعن متابعة السياسي كأنه ممثل لا مسؤول. عندما يفهم أن الضحك الذي يحبه اليوم هو نفسه البكاء الذي سيعيشه غدًا. وحتى يحدث ذلك، ستستمر الحالة الأرقوزية، وسنستمر في إعادة إنتاج قادتنا كما نعيد إنتاج أزماتنا، كأن البلاد كلها مسرح كبير بلا نهاية.