السياسي

رحّبوا معنا بالبطل المصنوع في الاستوديو!

رحّبوا معنا بالبطل المصنوع في الاستوديو!

رحّبوا معنا بالبطل المصنوع في الاستوديو!

 

يقول الأديب البريطاني الشهير جورج أورويل: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي"، يبدو أن هذه المقولة هي "الكتالوج" الوحيد الذي يدرسه طغاة العصر، واليوم في ليبيا، يُفتح فصل جديد من فصول تزوير الوعي الجمعي عبر شاشة التلفزيون تحت مسمى مسلسل "القرار"، وهو في الحقيقة ليس قرارا فنيا، بل هو أمر عمليات عسكري وسياسي واستراتيجي مغلف بمظاهر الدراما عالية الجودة، ليبيعنا المسلسل بطلا من ورق، ومنقذا سقط علينا من عالم الأوهام. 

المسلسل الذي يحاول تسويق بطولات خليفة حفتر في مواجهة الإرهاب، ليس سوى محاكاة ركيكة، ونسخة كربونية سمجة وباهتة من مسلسل "الاختيار" المصري، فالمستبدون عادة ما يتبادلون أدوات القمع، واليوم يتبادلون الممثل والمخرج والسيناريو لإعادة تدوير صورة "القائد الملهم" الذي لولاه لافترستنا ضباع الإرهاب.

المفارقة هنا أن "القرار" يحاول خلق واقع بديل، يقفز فيه فوق أشلاء الضحايا، وتضحيات الأبطال الحقيقيين، وينسى فيه أن الإرهاب الذي يزعم محاربته كان أحيانا شماعة لشرعنة الانقلاب على المسار المدني، وتدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها. 

تستغل الحكومات والأنظمة العسكرية الفن والدراما لرسم صور نمطية فجة؛ تظهر الخير المطلق المتمثل في البدلة العسكرية والأوامر الصارمة، وتظهر الشر المحدق المتمثل في كل من قرر أن يتجرأ على رفض الخضوع وققر أن يقول "لا"، أو حتى أقل من ذلك بأن طالب بدولة القانون والمؤسسات.

مسلسل "القرار" يذهب بعيدا في الإساءة للمجتمع المحلي، خاصة في شرق ليبيا، بتصويره كبيئة عاجزة وضعيفة كانت تنتظر المخلص ليفك رقبتها من القيد، تنتظر البطل الخارق لينقذ بناتها من السبي، متجاهلا أن الليبيين هم من دفعوا ثمن مواجهة الإرهاب بصدورهم العارية قبل أن تتحول القضية إلى صفقات سياسية وعسكرية وعائلية. 

هذه السرديات غير الحقيقية هي محاولة بائسة للسطو على الحقيقة الموثقة، فالمخرج قد ينجح في ضبط الإضاءة وزوايا التصوير، والممثل قد يظهر مشاعر جياشة تحاكي الحقيقة، والسيناريست قد يكتب أفكارا متماسكة وقابلة للتصديق، لكنهم سيفشلون حتما في تجميل الواقع القبيح أو في إضاءة عتمة السجون أو تجميل زوايا المقابر الجماعية، إنهم يريدون إقناعنا بأن المنقذ الوهمي هو قدرنا المحتوم، وأن تاريخ ليبيا الحديث بدأ منذ اللحظة التي قرر فيها هذا البطل أن يمتطي صهوة الدبابة ليعلمنا كيف نعيش في أمان، وكأننا قطيع من الغنم يتربص به الذئاب، ولا نجاة لنا لولا الراعي وعصاه. 

قديما كان المنتصرون يكتبون التاريخ بمداد من دماء المهزومين، وكان بإمكانهم محو مدن كاملة من الذاكرة وإزالة حضارات ضاربة في القدم، وإلغاء آدمية خصومهم، والظهور بمظهر البطل والمنقذ، حامل لواء الخير المطلق، لكن اليوم، نحن نعيش في زمن البث المباشر، في ومن فيسبوك ويوتيوب وأخواتها، في زمن لم تعد فيه المناهج الدراسية المزيفة أو المسلسلات الممولة من خزائن الشعب المنهوبة قادرة على غسل الأدمغة بالكامل، وصناعة وعي جمعي يتبناه الجميع.

قد تثير سردية المستبد الغبار في الأعين لفترة، وقد تخفي الحقيقة وراءه لبرهة، وقد تلمع صورة "القرار" في عيون "اللقاقة" من المصفقين والمنتفعين، لكن الحقيقة لا تضيع وراء المونتاج، فكل رصاصة طائشة، وكل بيت هدم، وكل ناشط اختطف، وكل جثة وجدت في مكبات القمامة، هي فيديو مسجل في ذاكرة الضحايا من أبناء هذه البلاد، ولن تمحوه لقطة سينمائية أو موسيقى تصويرية جنائزية تحاول استدرار العواطف الزائفة. 

إن محاولة خلق حقيقة موازية أو واقع بديل عبر الدراما هي اعتراف ضمني بالفشل في الواقع الحقيقي، فلو كان المنقذ حقيقيا، لما احتاج إلى ملايين الدولارات لترميم صورته المهزوزة، أما الحقيقة الموثقة بالصوت والصورة، والتي سطرها الضحايا بدمائهم والأبطال المنسيون -الذين لا بواكي لهم في مسلسلات التوجيه المعنوي- فستظل هي المرجع الأخير.

سرديات المستبد ليست خالدة، تموت بموته، وتختفي بذهابه، وتتحول مسلسلاته إلى خردة إعلامية ومادة تثير السخرية في أحسن الأحوال، أما دماء الأبرياء وتضحيات البسطاء الذين استخدموا كوقود لهذه البطولات المزعومة، فهي التي ستبقى وستخلد وستعيش في وجدان الليبيين، والتاريخ الليبي لن يكتبه ممثل مغمور في مسلسل موجه، بل سيكتبه وعي الناس الذين سئموا من تجار الحروب ومنقذي الصدفة. 

ختاما، ربما على القائمين على هذا العمل أن يدركوا أن الشعب الليبي، الذي عاصر "القائد الأممي" و"ملك ملوك أفريقيا" لأربعين عاما، أصبح لديه مناعة فطرية ضد الأصنام الدرامية والآلهة الفنية، فالبطولة لا تصنع في استوديوهات التصوير، بل في ميادين العدالة وبناء الدولة التي تحترم كرامة الإنسان، لا الدولة التي تحوله إلى "كومبارس" في مسلسل تمجيد الفرد.