هشاشة الاستبداد أمام الكلمة ؟
المستبد مهما حاول أن يظهر بمظهر القوي المسيطر فإنه في الحقيقة ضعيف وهش، وأكثر ما يزعجه في الحقيقة هي الكلمة، وهي أبسط ما نملك لمواجهته.
المستبد يخشى الكلمة أكثر من الرصاصة، لأن الرصاصة سيواجهها بقوة ترسانته الحربية، أما الكلمة فهي قادرة على هدم سطوته من خلال تحطيم سرديته التي يحكم عبر فرضها.
يقول فلاتسلاف هافل، آخر رئيس لتشيكوسلوفاكيا قبل تفككها: "إن قوة المستضعفين تكمن في قدرتهم على قول الحقيقة، والعيش في الحقيقة، حتى تحت أشد الأنظمة قمعا. فالنظام الشمولي يقوم على أساس الكذب، وعندما يرفض شخص واحد العيش في هذا الكذب، فإنه يضرب النظام في مقتل".
هذا هو بالضبط ما يحدث في ليبيا اليوم، فالأنظمة الاستبدادية تبني شرعيتها على أكذوبة كبرى، لذا فإن أبسط أشكال المقاومة، وهي قول الكلمة الصادقة، تصبح سلاحا فتاكا في نظر هذه الأنظمة لأنها تكشف هشاشتها.
الأنظمة الاستبدادية تبني نفسها على الجدية المطلقة والهيبة المصطنعة التي تظهرها النياشين والرتب والصور التي تملأ الشوارع والاستعراضات العسكرية والمهرجانات الشعرية والخطب الرنانة، وهي بهذا السيرك تطلب من الناس الخضوع والطاعة دون نقاش، وتصور نفسها على أنها فوق النقد، وهنا يكمن خطر الكلمة والسخرية، فهي تحطم الهالة الوهمية التي تظهرها السلطة، والنكتة الذكية تكسر حاجز الخوف والرهبة، وتظهر المستبد عاريا، وتذكر الناس بعادية الحاكم وقابليته للخطأ، مما يفقده هالة القداسة التي تحميه.
والسخرية كذلك تبني تضامنا خفيا، فعندما يضحك الناس على نكتة سياسية في مجلس خاص، فإنهم يبنون لحظة تفاهم وتضامن خفي بينهم، مفادها "نحن جميعا نرى حماقة هذا النظام"، وهذا يخلق مساحة نفسية للتحرر من السيطرة الفكرية للنظام.
السخرية تخلق وعيا ناقدا يفتح آفاق الناس وأفهامهم على الواقع فيتعود الناس على عدم قبول الخطاب الرسمي كحقيقة مسلم بها، وتربي فيهم ملكة النقد والتساؤل، ولذلك فإن استبدادا يشعر بأنه قوي بجيشه وأمنه، يكتشف فجأة أنه أعزل أمام نكتة تنتشر كالنار في الهشيم، أو أمام كلمة حق تقال لسلطان جائر، وهذا هو المعنى العميق لضعف المستبد أمام الكلمة.
ما حصل مؤخرا للفنان فرج عبد الكريم وحصل بعده بيوم واحد للشاعر فائز العرفي وحصل لصناع مسلسل "خلك من الكلام" الذي أوقف عرضه ولوحق صناعه الذين ينتمون إلى مدينة أجدابيا، كل هذا يكشف شيئا واحدا فقط؛ عجز السلطة وضعفها وهشاشتها.
السجن والتقييد لمن لا سلاح له إلا الكلمة ليس جديدا في ليبيا، وما حصل الأيام الماضية ليس معزولا ولن يكون الأخير.
الفنان فرج عبد الكريم كان من أوائل الداعمين للقائد العام وأبنائه الميامين، ومن المباركين لكل عملياته الحربية بما فيها عدوانه على طرابلس، ولكن ذلك لم يشفع له عندما سخر في مسلسله الكوميدي –وإن كان بغير قصد منه للإساءة للسلطة– فسجن وأوقف عرض مسلسله وضيق عليه حتى أعلن اعتزاله الفن نهائيا.
المفارقة هنا ليست في سجن فرج عبد الكريم فقط، بل في أن السلطة التي يظن الكثيرون أنها قوية بجيشها وأمنها، تثبت للجميع أنها لا تتحمل حتى نكتة من مؤيد لها.
السلطة تقول للناس؛ حتى المؤيدين منكم ليسوا في مأمن، إذا نطقتم بكلمة لا تعجبنا فالسجن ينتظركم، إذا ضحكتم على شيء لا نريد الضحك عليه فالسجن ينتظركم، إذا خطر ببالكم أننا بشر مثلكم فالسجن ينتظركم، وهذا ليس قوة، هذا ضعف.
القوة الحقيقية تتحمل النقد، تتحمل السخرية، تتحمل أن ترى نفسها في مرآة الكلمة الصادقة ولو كانت نقدا، أما الضعيف فهو الذي يخاف من نكتة، يخاف من بيت شعر، يخاف من مشهد تمثيلي.
سردية السلطة في عالم الاستبداد تقوم على الكذب والتهويل والنفخ في جسد المستبد، والكلمة الصادقة تهدم هذه السردية الهشة، والنكتة تسقط هيبة النظام وتنزله من خانة القداسة والتأليه إلى خانة الضعف البشري فتصغره في أعين الناس الذين لا يخضعون للمستبد إلا لأنهم صدقوا سرديته.
ما يحدث اليوم في ليبيا ليس جديدا، ولكنه يذكرنا بشيء مهم؛ المستبد مهما طال حكمه ومهما امتلك من قوة، يبقى هشا أمام الكلمة، لأن الكلمة لا تموت بالسجن، فالسجون تزدحم بالكتاب والفنانين والشعراء، ولكن الكلمة تخرج من تحت الأبواب، تتسلل من النوافذ، تنتشر بين الناس كالنار في الهشيم.
فرج عبد الكريم لم يقصد الإساءة للسلطة بمسلسله، ولكنه مارس حقه الطبيعي في السخرية من الواقع، فإذا به يكتشف أن هذا الواقع لا يحتمل حتى نكتة بريئة، وهذه ليست قوة السلطة، هذا هو ضعفها الحقيقي.
سردية السلطة تقوم على الكذب، والكلمة الصادقة تهدم هذه السردية الهشة، والنكتة تسقط هيبة النظام وتنزله من خانة القداسة إلى خانة الضعف البشري، وهذا هو أقوى سلاح في وجه المستبد، لذلك لا تصدقوا سردية المستبد، واسخروا منها، فهذا أقوى وأعظم عند المستبد من الرصاص.
الرصاصة تواجهها الترسانة، أما الكلمة فلا ساتر لها ، الرصاصة تقتل جسدا واحدا، أما الكلمة فتحيي أجسادا كثيرة ، الرصاصة تذهب وتزول، أما الكلمة فتبقى إلى الأبد ، في ليبيا اليوم، هناك من يظن أن السجن والمنع والملاحقة كفيلة بإسكات الكلمة، ولكنهم واهمون.
الكلمة التي تسجن اليوم، تخرج غدا أقوى.
الكلمة التي تمنع اليوم، تنتشر بعد غد بشكل أوسع.
الكلمة التي يخاف منها المستبد اليوم، هي التي ستسقطه غدا.
وهذا ليس كلاما إنشائيا، هذا درس من دروس التاريخ.