الجنازة التي كشفت عجز السلطة !
عاد سيف الإسلام القذافي يوم الجمعة إلى أنصاره وأنصار والده في بني وليد، لكنه لم يعد كزعيم موعود يعيد بناء جماهيرية والده التي تآكلت قبل أن تسقط، ولم يعد كأمل ومصدر إلهام لأجيال تظن الوهم أملا، ولم يعد كرجل يخشى البعض بطشه ويتمنى غيرهم عودته، بل عاد جثمانا ليدفن في أرض لا زالت تدين بالولاء لوالده الذي لم يترك فيها ولا في غيرها ما يستحق الولاء، لكن في ليبيا، حتى الموتى لا يرقدون بسلام، بل يتحولون إلى ورقة في لعبة لم تنته بعد.
شروط خليفة حفتر الصارمة لإقامة الجنازة في سرت لم تكن حرصا على الأمن ولا احتراما للمشاعر والشعائر، بل كانت إعلانا صريحا عن سيطرة مطلقة لا تقبل التشكيك، ورسالة مفادها أن كل شيء، حتى مراسم دفن رمز النظام السابق، يجب أن يمر عبر بوابته ويحمل بصمته، هو من يمنح الإذن وهو من يضع القيود، فالسلطة في عالم الماريشال تقاس بهذه التفاصيل الصغيرة، من يتحكم في طقوس الموت يثبت أنه سيد الحياة في تلك الجغرافيا الكئيبة.
على الطرف الآخر، كان السماح الصادر عن حكومة طرابلس قرارا أشبه بالاستسلام المقنع، فهو القبول بما لا يمكن منعه، والمنطقة التي ستستقبل الجثمان هي عمليا خارج سيطرتها الفعلية، وأي محاولة للفرض كانت ستفتح جراحا جديدة وتكشف هشاشة الادعاء بالسيادة والسيطرة، فاختارت أن تظهر بمظهر الكريم الذي يسمح بما لا يملك أصلا منعه، إنها لعبة الظهور بمظهر القوي الواثق، حين يكون الخيار الوحيد هو الرضوخ للواقع، كما أن جزءا مهما من هذه اللعبة هو النكاية في الخصم الذي شدد على العزاء والمعزين، وإظهاره بمظهر المتشدد مقابل تسويق الذات كطرف معتدل وديمقراطي.
لكن المفارقة الحقيقية تكمن في الساحة التي استقبلت الجنازة، وليس في مكاتب اتخاذ القرار، فالحشد الذي شيع الجثمان في بني وليد يتحدث بلغة مختلفة، هذا الحشد لا يعبر عن قوة مشروع سياسي حي، فمشروع الرجل انتهى بموته، إنه بالأحرى، يشير إلى شيء أعمق، يشير إلى فشل ذريع لمنافسيه وأعدائه.
لقد فشل خليفة حفتر، رغم سيطرته العسكرية والإعلامية المطلقة على الشرق، في حشد أنصاره في "مليونيات" وهمية لم تملأ ساحات الكيش وغيرها ولم يحضر بعضها حتى ألف شخص، وفشلت حكومة طرابلس وفصائل الغرب في تحريك الشارع في مناطق نفوذهم، وفشل كل معارضي حكومة طرابلس في حشد الناس للخروج لإسقاطها، رغم أن الجميع يمتلك المال والسلاح والإمكانات، لكن لا أحد يملك القدرة على إثارة الدعم الحقيقي المندفع الذي لا يحتاج إلى حوافز مادية أو تهديدات.
لماذا يخرج الناس لجنازة رمز ميت، بينما يتخلفون عن مسيرات أطراف حية تدعي حكمهم وتمثيلهم؟
ببساطة؛ لأن الناس لم تعد تنخدع بمسرحيات السياسيين، فقد رأوا "المليونيات" التي تتحول إلى مئات، و"خيم التفويض" التي تبقى فارغة تهزها الرياح و"يكتح عليها السافي"، لقد سئموا خطابا يعد بالكرامة وفي المقابل لا يستطيع تأمين دواء أو كهرباء أو سعر مستقر وعادل لعملة مترنحة، لقد أصبحت السلطتان، في الشرق والغرب، تشتركان في كل شيء، القدرة على القمع والإقصاء، والعجز الكامل عن الإقناع والإلهام.
الحشد في بني وليد، بغض النظر عن دوافع المشاركين فيه، هو صفعة سياسية موجهة للجميع، وهو إثبات أن المشاعر الحقيقية، حتى لو كانت حزنا على ماض مزيف أو ارتباطا انتقائيا برمزية شخص، يمكن أن تحرك الناس أكثر من كل الخطابات السياسية الجوفاء والشعارات الممجوجة التي تملأ الإذاعات الرسمية، على الرغم من عدم أهمية هذا الحشد، فلو كان لهذا الحشد القوة السياسية التي يتخيلها البعض، لما عاش سيف الإسلام سنواته الأخيرة مطاردا مختفيا، يستمد قوته من ضعف خصومه وعجزهم وليس من قوته هو.
جنازة سيف القذافي ليست عودة للماضي، فما في ذلك الماضي من شيء يستحق العودة إليه، ولكنها تشريح للحاضر، ومرآة تعكس حالة الانفصال الكامل بين النخب الحاكمة، بكل ألوانها، وبين الشارع الذي أنهكه الفشل وأرهقه الفساد فامتلأت جيوبه بورق نقدي مزيف بقرارات رسمية، فلم يعد هذا الورق قادرا على أن يبني له حياة يتمناها ويستحقها، فلم يعد له من ملجأ إلا ذاكرته الانتقائية التي عادت به إلى أيام كان يعود فيها إلى بيته محملا بـ"سبيزة الجمعية" وقد أنفق عليها أقل مما ينفقه اليوم على وجبة غذاء.
الحشد الذي حضر دفن سيف الإسلام في بني وليد كان أقل من المتوقع بالنسبة لأنصاره، ولكنه كان بمثابة صفعة مدوية لخصومه الأحياء الموجودين في السلطة الذين يبقون عاجزين عن فهم لماذا لا يتحرك أحد من أجلهم.
في النهاية، دفن الجثمان وطويت الصفحة، ولكن الدرس الذي تركه فوق الأرض لم يدفن ولن يدفن، السلطة الحقيقية لا تقاس بالسيطرة على المطارات والموانئ والبنوك المركزية فقط، بل بالقدرة على امتلاك قلوب الناس وثقتهم طوعا، وهذا هو المورد الوحيد الذي تبدو كل الأطراف في ليبيا قد أفلست فيه تماما، فلا يمتلكه ماريشال الشرق ولا حكومة الغرب، ولم يملكه لا القذافي ولا ابنه، غير أن فشل من لحقهم أوهم الناس بأنهم كانوا ناجحين، سيف القذافي قد مات ومشروعه انتهى، لكن الحشد الذي شيعه يخبر الأحياء بحقيقة مؤلمة، يخبرهم أنهم في طريقهم إلى نهايتهم السياسية، ولن يبكي أحد في جنائزهم.