تحقيقات

الهروب من البيت والسقوط في الفخ: العنف المنزلي ومسارات استغلال النساء في ليبيا

لم يكن في وجهها أثرُ كدمةٍ تلك الليلة.

فتحت «مريم» (اسم مستعار) الباب لأختها، وهي تمسح بقايا دموعٍ حاولت إخفاءها بالماء البارد. البيت مرتب، رائحة قهوة في المطبخ، وأطفال يشاهدون التلفزيون في الغرفة المجاورة. كل شيء يبدو «عاديًا»، إلا صوتها وهي تكرر:

«ما صاير شيء… بس سوء تفاهم، هو عصّب شوية وبعدين هدي».

خلف هذه الجملة القصيرة تختبئ سنوات من الضرب المتكرر، الإهانات، تحطيم الأغراض أمامها، وتهديد دائم: «لو كلمتي حد، والله ما تشوفي الأولاد… ونعرف كيف نخليك تندمي».

كلما فكّرت «مريم» في الذهاب إلى مركز الشرطة، تسمع في رأسها صوت أمها:

«يا بنتي، هذه أمور بينك وبينه، ما تطلعيش أسرار بيتك للناس… الفضيحة مش عليك بروحك، الفضيحة للعيلة كلها».

هكذا يتحوّل العنف في بيوت كثيرة إلى سرٍّ عائلي ثقيل، يُعاد تعريفه اجتماعيًا باعتباره «مشكلة زوجية» أو «عصبية رجل»، لا «جريمة» تستدعي تدخّل الدولة. 

 ظاهرة واسعة لكنها تختبئ خلف الصمت .

تشير دراسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول التأثير الاقتصادي والاجتماعي للنزاع على النساء في ليبيا إلى أن العنف المنزلي يُعَدّ موضوعًا «صعبًا» في المجتمع الليبي، وأن مفاهيم الشرف والسمعة تجعل الحديث عنه شديد الحساسية، وتدفع كثيرًا من النساء للاعتماد على العائلة بدل اللجوء إلى المؤسسات الرسمية.

تقرير مشترك قُدِّم لمجلس حقوق الإنسان في إطار الاستعراض الدوري الشامل (UPR) يذهب أبعد من ذلك، إذ يصف العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، بما فيه العنف المنزلي، بأنه «واسع الانتشار، لكنه إلى حدٍّ كبير غير مُبلَّغ عنه»، بسبب وصمة العار المرتبطة به، والخوف من الانتقام، وغياب مسارات واضحة وآمنة للتبليغ والدعم.

تقرير سياسات بريطاني (CPIN) حول أوضاع النساء في ليبيا يؤكد بدوره أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يُعتَبر واسع الانتشار، لكنه «مُستخفٌّ به وغير موثّق»؛ إذ لا توجد بيانات موثوقة عن عدد المتضررات، في ظل انهيار جزئي لسيادة القانون وتدهور الوضع الأمني.

هذه الصورة تتكرّر في شهادات نساء تواصلنا معهن في الغرب والشرق والجنوب، لكن معظمهن طلبن إخفاء أسمائهن ومدنهن؛ ليس خوفًا من الجاني وحده، بل من «كلام الناس» قبل كل شيء. 

«هذا شأن عائلي» حين يصبح العنف جزءًا من التربية .

في بيتٍ آخر، وفي أركان أخرى من ربوع البلاد، تروي أختان «سعاد وهدى» (اسمان مستعاران) تجربتهما في العنف الأسري:

«وُلدتُ على صراخ إخوتي الأكبر مني سنًا. كان لزامًا عليّ أن أكون تلك الأخت المطيعة التي تعيش في هذه الحياة لتنفّذ أوامر إخوتها الذكور، وتلبّي طلباتهم دون تعب أو كلل أو ملل، مع تحمّل الإهانة والضرب عند الحديث عن أي حق من حقوقي كإنسان. لم أتمكّن من إكمال دراستي ولا من العمل، وليس من حقي أن أعيش حياة طبيعية كباقي السيدات في هذا المجتمع. لا يمكنني البوح بما يجول في خاطري من عتب على أهلي. أمي لا يمكنها حمايتي من ضرب أخي ليّ، ولا يمكنني الخروج أنا وأختي حتى مع أمي وأبي. لا يمكننا شراء ما نريد، ولا نملك حتى اتخاذ القرار. أبي لم يتمكّن من حمايتي رغم محاولته. كل وسائل العنف في بيتنا هي جزء من تربيتنا، كما يقول لنا إخوتي، وكذلك أمي: (خوك يبي مصلحتك)».

تقول إن أكثر ما آلمها لم يكن الضرب نفسه، بل ردّة فعل العائلة:

«في كل مرة نطلع فيها مع أمي وبوي باش نشمّوا هوا ربي، نروح للحوش بالخوف ونطلع من الحوش بالخوف، وما نقدروا نطلعوا إلا بعد ما نتأكدوا إن خوتي مش في الحوش، لأن لو روحنا ولقينا واحد منهم في الحوش، بتتقربع الدنيا فوق راسي وراس أمي وبوي. لأن طلعتنا معاهم ممنوعة إلا لما هما يعطونا الأوك. ولو صار وطلعنا ولقينا حد منهم في الحوش، ناكل طريحة أنا وأختي، وما نقدرش ندافع على نفسي، ولا أمي تدافع عليّ، ولا حتى بوي يقدر يحميني منهم. فالضرب بحد ذاته ما يؤلمش أكثر من ردّة فعل عيلتي. والغريب إني لو حاولت نتكلم على اللي نمرّ به برا، نبدا أنا ماننفعش ومانصلحش، ويلوموني أنا، ويقولوا إن الضرب هو أساس التربية، يعني ما نربّاش إلا لما ننضرب».

هذا المنطق الاجتماعي يجد صداه في تقارير دولية. فالاستعراض الدوري الشامل يشير إلى أن مفهوم «شرف العائلة» يلعب دورًا حاسمًا في إسكات كثير من ضحايا العنف الجنسي والمنزلي، وأن الخوف من الوصم والنبذ الاجتماعي يمنع النساء من التبليغ أو حتى طلب الاستشارة القانونية أو النفسية.

وفي تقييم آخر حول «الجندر وكوفيد-19 في ليبيا» أُجري عام 2020، وُثِّق أن النساء نادرًا ما كنّ يبلّغن عن العنف المنزلي أو التحرش أو الإيذاء اللفظي، وأن كثيرًا من المحيطين بهنّ لا يشجّعونهن على التبليغ، بل يعتبرون الصمت الخيار «الأفضل» حفاظًا على الأسرة.

بهذا المعنى، يتحوّل البيت من مساحة يُفترض أن توفّر الأمان إلى فضاءٍ يحكمه ميزان القوة داخل الأسرة: من يملك المال، ومن يملك السلاح، ومن يملك «السمعة» كسلاح إضافي.

تقول أختها:

«حاولت الهروب من المنزل في أكثر من مرة، لكنني تردّدت كثيرًا في هذا القرار، لأنني أملك شرف العائلة، والمجتمع لا يرحم، ولا يعرفون ما نمرّ به من إهانة وضرب وتعذيب». 

الهروب من المنزل والبحث عن مأوى للحماية.

فقد تضطرّ الكثير من النساء المُعنّفات إلى الهروب من عائلاتهن بسبب التعنيف الذي يتعرّضن له، فيلجأن إلى الشارع للبحث عن الاستقلال والنجاة بأنفسهن من ألم التعذيب والويل الذي يرافقهن صباحًا ومساءً، وألم الذات والضمير الذي لا يسكت ساعة، ويُذكّرها ألم الندبة بما تشعر به من فوضى وصدمة مشاعرية.

بعضهن يهربن بأنفسهن للنجاة إلى مكان آمن ليتمكّن من تحقيق ذواتهن، وبعضهن يهربن من منازلهن وظلم العائلة إلى ظلمٍ أكبر بكثير، ويظلمن أنفسهن بالارتماء في أحضان الميليشيات تارة، أو العمل في الدعارة تارة أخرى .

للأسف، يتم استغلال هذه الفئة من النساء من قبل ضعاف النفس والشرف والذمة والإيمان، ليتم العمل بهن في الدعارة واستغلال ظروفهن، والتجارة بهن في أمور غير شرعية، ليتمكّنّ من توفير المأكل والمشرب والملبس.

وبعضهن أيضًا يحدث لهن ما نعرفه جميعًا: «الضغط يولّد الانفجار». فالضغط النفسي والعصبي والمشاعري والاجتماعي الذي تعرّضت له هؤلاء السيدات المُعنّفات جعل منهن من لديهن الرغبة الشديدة في الانحراف، بسبب الضغط الشديد. ففي عصر التكنولوجيا، أصبح من السهل السفر إلى كل مكان ونحن في غرفتنا، وعند خروج هؤلاء السيدات من منازلهن إلى العالم الخارجي، تتولّد لديهن الرغبة في العيش بطريقة انحرافية، كنوع من الانتقام من أنفسهن وعائلاتهن. 

قانون غائب ومسؤولية لا تصل إلى عتبة البيت .

على المستوى التشريعي، تذكر مذكرة حديثة لمنظمة العفو الدولية قُدِّمت إلى لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 2024 أن ليبيا تفتقر إلى تشريع خاص بالعنف ضد النساء والفتيات، بما في ذلك العنف المنزلي، وأن مشروع قانون لمكافحة العنف ضد النساء طُرِح عام 2017 بدعم من بعثة الأمم المتحدة (يونسميل) ووكالات أممية أخرى، لكنه لم يُعتمد حتى الآن.

تقرير مشترك من منظمات ليبية ودولية للاستعراض الدوري الشامل يوضح أن العنف المنزلي يُعاقَب عليه فقط في حالات محددة جدًا، مثل إصابة الزوجة بجروح تستدعي دخول المستشفى، كما أن بعض مواد قانون العقوبات تمنح تخفيفًا في العقوبة في ما يُسمّى «جرائم الشرف»، 

 ضمن هذا السياق، تؤكد المحامية مسرّة الصادق الدوكالي أن الإطار التشريعي في ليبيا ما يزال عاجزًا عن التعامل مع العنف المنزلي ضد المرأة والطفل، رغم كثافة النقاشات ومحاولات الإصلاح.

 وتوضح أن جهود منظمات المجتمع المدني والناشطين القانونيين أفرزت مشروع قانون لمناهضة العنف الأسري جاهز منذ عام 2023، إلا أن مجلس النواب لم ينشره في الجريدة الرسمية ولم يعتمده، ما يجعله حتى اليوم “حبرًا على ورق” لا يرقى إلى مرتبة القانون ولا يمكن تطبيقه.

وتضيف الدوكالي أن محكمتين مختصتين في مناهضة العنف ضد المرأة والطفل أُنشئتا في طرابلس وبنغازي بدعم من الأمم المتحدة، غير أن عملهما يواجه تحديات كبيرة، أهمها غياب قانون خاص بالعنف الأسري، الأمر الذي يضطر القضاة إلى تطبيق قانون العقوبات العام، وهو قانون قديم لا يعكس طبيعة هذه الجرائم ولا تطورات الواقع الاجتماعي.

وتشير إلى أن المادة 398 من قانون العقوبات هي أبرز نص يُستند إليه حاليًا، لكنها لا توفر حماية حقيقية، إذ تكتفي بمعاقبة من يسيء معاملة أحد أفراد أسرته أو طفل دون الرابعة عشرة بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، تزداد إلى ست سنوات إذا ترتب أذى جسيم، وإلى السجن إذا أدى الفعل إلى الوفاة.

وترى أن هذه العقوبات غير رادعة، وأن الصياغة الفضفاضة لعبارة “أحد أفراد الأسرة” تفتح الباب لتأويلات واسعة، كما أن المنطق القانوني يجعل عقوبة قتل أحد أفراد الأسرة أخفّ من قتل شخص غريب، وهو ما تعتبره الدوكالي مفارقة تُضعف الردع وتُشجّع التمادي في العنف.

وتلفت إلى خطورة اعتبار هذه الجرائم من جرائم الشكوى، حيث لا يجوز للنيابة العامة تحريك الدعوى إلا بشكوى المجني عليه نفسه، في حين أن كثيرًا من الضحايا قد يكنّ معزولات داخل المنزل، أو خاضعات لتهديد مباشر، أو خائفات من الوصمة الاجتماعية إذا اشتكين على الزوج أو الأب أو الأخ. ولا يُستثنى من ذلك إلا حالة القتل لوفاة المجني عليه وتعذّر تقديم الشكوى.

وتخلص الدوكالي إلى أن معالجة العنف المنزلي لا يمكن أن تتم من خلال نصوص عامة في قانون العقوبات، وإنما تحتاج إلى قانون خاص شامل ينسجم مع الشريعة الإسلامية والأعراف الاجتماعية، ويضع عقوبات رادعة، ويؤسس لآليات حماية متكاملة تشمل: دور إيواء، خطوط شكاوى، دعم نفسي واجتماعي، وبرامج توعية قانونية للنساء والأطفال. 

مراكز الإيواء قليلة وبعيدة عن أغلب المتضررات .

في مواجهة هذا الواقع، تُحاول بعض البرامج الإنسانية سدّ جزء من الفجوة. صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) يؤكد أنه أنشأ عدّة «مساحات آمنة للنساء والفتيات» في الشرق والغرب والجنوب، تقدّم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا وتوعية بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب تدريب مهاري، وأن أكثر من 13 ألف امرأة وفتاة استفدن من هذه الخدمات في عام 2020 وحده.

لكن هذه الجهود، كما يعترف تقييم لبرنامج UNFPA في ليبيا نفسه، تظل محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، سواء من حيث التغطية الجغرافية أو الطاقة الاستيعابية.

التقارير نفسها تشير إلى أن الناجيات من العنف يواجهن صعوبة في معرفة الجهات التي يمكن التبليغ لديها، أو الوصول إلى خدمات الدعم القانوني والنفسي، خصوصًا في المجتمعات الريفية والمهمشة.

من جهة أخرى ما يسمى بالبيت الأجتماعي والذي يتبع وزارة الشؤون الإجتماعية والمعني بأن يكون ملجأ للنساء المعنفات لا يقوم بمهامه نهائيا في هذا المجال ، حيث حاولنا ان نتواصل مع مديرة البيت لفهم اسباب عجزها عن تقديم الخدمات لحالات العنف الإسري ،رفضت التواصل معنا في هذا الأمر .

إلا أن ما توصلنا له اثناء تحقيقنا ان احد أسباب إنشاء البيت الاجتماعي هو استيعاب النساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري ، بحيث يكون هو الملجأ لهن ، وتطبيقاً للمبدأ القانوني القائل ( أن المجتمع ولي من لا ولي له ) إلا أنه نتيجة ضغط معين مورس على إدارة البيت الاجتماعي بدعوى أنه ( يقوي في النساء على أهلهم) امتنع الأخير من استقبال نساء تعرضن لعنف منزلي إلا بعد وجود حكم قضائي أو أمر من النائب العام بتحويل حالة إليه بشكل رسمي .

هذه المعلومات جمعناها من مصدر كان قريب من البيت الاجتماعي ، وتمسك بعدم ذكر إسمه في التحقيق لحساسية الموضوع ( كما ذكر المصدر )

باختصار، ما هو متاح من حماية يشبه «قارب نجاة» صغيرًا في بحر واسع، يصل إلى بعض الناجيات، ويظل بعيدًا عن كثيرات.

كما لا يتوقّف الطريق أمام الناجيات عند عتبة المأوى ، بل حتى الوصول إلى الشرطة خطوة ثقيلة.

تقرير تقييمي حول الجندر في ليبيا يشير إلى أن النساء – قبل جائحة كورونا – كنّ نادرًا ما يبلّغن عن العنف المنزلي، وأنه حتى في الحالات التي يتم فيها التبليغ، لا تبادر السلطات عادةً إلى اتخاذ إجراءات فورية لحمايتهن، ما يكرّس انعدام الثقة في المؤسسات.

تقرير صدر عام 2025 عن منظمات حقوقية دولية أمام آليات الأمم المتحدة يؤكد أن العنف القائم على النوع الاجتماعي في ليبيا، بما فيه العنف المنزلي، «غير مُبلَّغ عنه بشكل كبير» بسبب الوصم الاجتماعي وغياب الثقة في المؤسسات، وأن السلطات تفشل بشكل منهجي في ملاحقة مرتكبي العنف الأسري ومحاسبتهم.

وضمن هذا التحقيق، توضّح الأخصائية الاجتماعية والدكتورة النفسية يسرى عمار بن زايد أن أخطر الآثار النفسية الناتجة عن العنف المنزلي ضد الفتيات هو فقدان الشعور بالأمان. فالأسرة – التي يُفترض أن تكون المصدر الأول للأمان – تتحول في هذه الحالات إلى مصدر للخوف والتهديد، مما يجعل الفتاة غير قادرة على الإحساس بالأمان في أي مكان آخر خارج البيت. هذا الشعور المزمن بالخوف يضع الفتاة دائمًا بين خيارين: الهروب أو المواجهة.

في حالة الهروب، قد تغادر الفتاة المنزل بطرق مختلفة، بعضها مقبول اجتماعيًا وبعضها مرفوض. قد تنخرط في العمل لساعات طويلة أو في أكثر من وظيفة لتبتعد عن الجو الأسري الخانق، وقد يصل الأمر إلى مغادرة العائلة أو السفر خارج البلاد. هذا السلوك، كما تقول بن زايد، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفكك الروابط الأسرية والاجتماعية.

أما في حالة المواجهة، فتدخل الفتاة في وضعية “المحاربة الدائمة”. تصبح ردود أفعالها تجاه المواقف العادية مبالغًا فيها لأنها تعيش داخليًا حالة تهديد مستمر. وهذا ينعكس سلبًا على علاقاتها بزميلاتها وأصدقائها وزملائها في العمل، ويجعلها عاجزة عن بناء علاقات مستقرة بسبب غياب الشعور الداخلي بالأمان.

وتشير بن زايد إلى أن تأثيرات العنف لا تتوقف عند الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل. فالفتاة التي لم تشعر بالأمان داخل أسرتها ستجد صعوبة في بناء زواج مستقر أو تكوين أسرة متوازنة. وقد يكون الزواج في بعض الأحيان وسيلة للهروب من بيت العائلة، لكنها تكتشف لاحقًا أنها انتقلت من أسرة مفككة إلى أخرى غير مستقرة لأنها لم تختبر يومًا معنى الأمان الأسري.

وتحذّر من أن تراكم هذه الحالات ينعكس على المجتمع بأكمله، إذ ينتج عن الأسر غير المستقرة مجتمع هشّ؛ لأن البيت الذي يفترض أن يكون محطة الأمان الأولى يتحول إلى بيئة خوف وصراع. وتؤكد في ختام حديثها أن التعافي يحتاج إلى وعي وعمل نفسي جاد من الضحية نفسها، حتى تتعلم أن تكون مصدر أمان لذاتها ولأطفالها مستقبلًا، وإلا فإن دائرة العنف ستظل متوارثة بين الأجيال. 

صوتٌ خافت للمقاومة لكنه موجود .

مع ذلك، يبقى المشهد ليس معتمًا بالكامل. في السنوات الأخيرة، برزت شبكات صغيرة من منظمات محلية ومبادرات نسوية تحاول تغيير القواعد غير المكتوبة.

مجموعة عمل العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV Working Group) في ليبيا – وهي منصة تنسيق إنساني تضم وكالات أممية ومنظمات محلية ودولية – تنشر بانتظام مواد توعوية وأدلة للمتخصصين، وتعمل على تحسين إجراءات الإحالة بين الجهات الصحية والقانونية والاجتماعية للناجيات.

تقرّ تقارير دولية بأن هذه المنظمات تعمل غالبًا في بيئة أمنية وسياسية معقدة، حيث تعرّضت ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان في ليبيا لحملات تهديد وتشهير، مما دفع كثيرات إلى تقليص نشاطهن أو العمل بعيدًا عن الأضواء.

لكن مجرد وجود خط مساعدة، أو مساحة آمنة، أو محامية مستعدة للاستماع وتقديم الاستشارة، يمنح بعض النساء نقطة بداية مختلفة عن جملة: «ما فيش حل إلا الصبر». 

تلك القصص التي ذكرناها ليست حالات فردية، بل نماذج لعنفٍ تتواطأ على إخفائه ثلاثة عوامل متشابكة:

1. ثقافة اجتماعية تعيد تعريف العنف باعتباره جزءًا من «التربية» أو «رجولة» الرجل، وتقدّم سمعة العائلة على سلامة الضحية.

2. فراغ قانوني وتشريعي يفتقر لقانون خاص بالعنف المنزلي، مع بقاء مواد تُخفِّف العقوبات في «جرائم الشرف»، وتمنح المغتصِب مخرج الزواج من الضحية، وتغضّ الطرف عن الاغتصاب الزوجي.

3. منظومة حماية ضعيفة من مراكز إيواء محدودة ومتباعدة، ومسارات تبليغ مربكة، وبطء في استجابة الشرطة والقضاء، وقلّة في الكوادر المدربة على التعامل مع الناجيات. 

ما بين أول صفعة تُبرَّر بأنها «زلة»، وآخر تهديد يُطلق تحت فوهة سلاح في منزل مكتظ، تتسع هوّة صمتٍ لا يراه أحد، لكنه يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية والجسدية لأجيال كاملة.

تحويل هذا العنف من «شأن عائلي» إلى قضية رأي عام لا يتطلب فقط تشريعًا جديدًا، بل تغييرًا في طريقة النظر إلى البيت نفسه: من مساحة مغلقة على سلطة لا تُسأل، إلى مكان يخضع – مثل أي فضاء آخر – لسيادة القانون وحق الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، في حياةٍ بلا عنف.

 

المصادر

المراجع الرئيسية المستخدمة في التحقيق 

• تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة:

The Economic and Social Impact of Conflict on Libyan Women

• التقرير المشترك للاستعراض الدوري الشامل (UPR) – ليبيا، الدورة الثالثة

• مذكرة العفو الدولية إلى لجنة سيداو حول ليبيا (2024)

• برنامج العنف القائم على النوع الاجتماعي – صندوق الأمم المتحدة للسكان في ليبيا

• تقييم «الجندر وكوفيد-19 في ليبيا»

• تقرير سياسات عن أوضاع النساء في ليبيا (CPIN)

• بلاغ من منظمات حقوقية إلى آليات الأمم المتحدة حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في ليبيا (2025)

• صفحة مجموعة عمل العنف القائم على النوع الاجتماعي في ليبيا (GBV Working Group)

اكرم النجار اشراف عام: اكرم النجار
المعتصم غرفيك و تطوير تقني: المعتصم