الأقتصادي

ارمِ الضريبة واختبئ: كيف تختبر السلطة غضب الليبيين؟

ارمِ الضريبة واختبئ: كيف تختبر السلطة غضب الليبيين؟

ارمِ الضريبة واختبئ: كيف تختبر السلطة غضب الليبيين؟

 

لم يعد المواطن الليبي يعرف ماذا يصدق، فهو يتلقى الضربة تلو الأخرى، بينما يراقب الأحداث تجري على مسرح ليس مدعوا إليه، واليوم الضربة تأتي على شكل نكتة سوداء تسمى "ضريبة استهلاك جديدة"، نكتة يرويها عضو برلماني قبل أن يقرها المجلس، ويسارع زملاؤه لإنكارها قبل أن تتم مناقشتها، وكأن المواطن ملزم بدفع ثمن تذاكر دخول لمشاهدة المسرحية، بينما يتشاجر الممثلون لا زالوا يناقشون حبكتها. 

المشهد مألوف، ولكنه مازال يصيب بالغثيان كل مرة، مراسلة رسمية من رئيس لجنة الاقتصاد بمجلس النواب، بدر النحيب، توجه إلى محافظ المصرف المركزي تطالبه بالاستعداد لتنفيذ قرار فرض الضريبة بدءا من 18 يناير، الخبر ينتشر كالنار في منصات التواصل، والناس يتحركون بين ذهول وغضب، ثم فجأة، ينبري خمسة وثمانون نائبا، يكادون يكونون أغلبية المجلس، ليصدروا بيانا يهدمون فيه ما بناه زميلهم، ويؤكدون أن ما تم تداوله مجرد "مشروع قرار" للمناقشة، ولم يصدر رسميا عن رئاسة المجلس، وأن تلك المراسلة "غير نافذة أو ملزمة".

ولكن إذا كانت مراسلة اللجنة المختصة غير ملزمة وغير نافذة، وغير معترف بها، فلماذا تصدر أصلا؟ ولماذا تحمل تاريخا محددا للتنفيذ؟ الجواب بسيط؛ إنه اختبار للشارع، استطلاع رأي بأساليب القرون الوسطى، يرمون الحجر ثم يختبئون ليراقبوا تموجات الغضب في بحيرة المواطنين اليائسة، إنها لعبة خطيرة يدفع ثمنها الفقير الذي لا يجد قوت يومه، بينما يجلس من يرمون الحجر في مكاتب مكيفة، محاطين بحاشية تبرر لهم كل خطأ، وتزين لهم كل قرار جائر. 

والغريب أن المدعو بدر النحيب، بعد كل هذا الجدل، خرج ليؤكد صحة مراسلته، ويزعم أن الضريبة "لصالح الليبيين"! كلمات تذكرنا بعهود سابقة، كان فيها القائد يفرض القرارات ثم يبررها بأننا لا نعرف كيف نتصرف في أموالنا لهذا يحتفظ هو بها، وكأن المواطن قاصر لا يعرف مصلحته، واليوم يعيدنا النحيب وأمثاله إلى نفس العقلية الأبوية المتعالية، هم يقررون ما هو الصالح لنا، ونحن علينا أن ندفع الثمن ونصمت.

لكن ما هي تفاصيل هذا "الصالح" الذي يتكلم عنه النحيب؟ النص المقترح، رغم عدم شرعيته، يكشف النوايا السيئة، فالضريبة ليست أرقاما عشوائية، بل هي خطة مفصلة لتقنين الاستيراد تحت مسمى "موازنة استيرادية سنوية"، وفرض ضرائب متدرجة.

 

ستفرض على السكر والشاي والبن 7%، وعلى مواد التنظيف وقطع غيار السيارات 12%، وعلى الملابس والأثاث 25%، وعلى الأجهزة الإلكترونية 30%، أما السيارات الفارهة والمجوهرات فستصل الضريبة عليها إلى 35%، ولكن من الذي صنف السلع؟ ومن الذي قرر أن السيارة الصغيرة، في بلد انهارت فيه المواصلات العامة، هي سلعة كمالية؟ ومن الذي يعتقد أن الأسرة التي تكافح للحصول على أثاث بسيط لبيتها، قادرة على دفع ربع ثمنه كضريبة؟

الأمر لا يتوقف عند نسبة مئوية مجردة. الشرط الأساسي للضريبة يجعلها أداة اختناق، فلن يفتح اعتماد مستندي، ولن تفرج الجمارك عن بضاعة، إلا بعد سداد الضريبة مسبقا في حساب خاص بالمصرف المركزي، بمعنى آخر، ستخزن السلع في الموانئ والمخازن، لتزيد الأسعار، ويطول الانتظار، ويزداد عطش السوق، بينما تتراكم الأموال في حسابات لا يعرف أحد مصيرها النهائي.

لو كنا تعلمنا شيئا واحدا فقط خلال هذه السنوات العجاف؛ فإنه أن لا شيء يحدث في هذا البلد صدفة، لقد قررت "لجنة النحيب" أن يكون تاريخ البدء هو 18 يناير، لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأنه تزامن، وكأنه مؤامرة مدروسة، مع قرار المصرف المركزي بخفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7% .

تخيل وأنت مواطن فقير أو قريب من خط الفقر، تسمع في الصباح أن مدخراتك من العملة المحلية فقدت جزءاً من قيمتها، وفي المساء، يخبرونك أن كل ما ستشتريه غدا سيفرض عليه ضرائب جديدة، ضربتان متتاليتان على رأس غارق أصلا تحت الماء.

الخبراء الاقتصاديون يحذرون من موجة تضخم مركبة ستجتاح البلاد، وهم يقولون "تضخم"، ونحن نقول "جوع"، يعني أن رب الأسرة سيعود من السوق بحقيبة أخف وزنا، وبقلب أثقل هما، يعني أن الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون ستتحول إلى هاوية لا قعر لها.

هذا ليس المشهد الأول في مسرحيتنا الهزلية الدامية، ولن يكون الأخير، فالمواطن الليبي اعتاد أن يرى حقوقه تهدر كأنها بضاعة منتهية الصلاحية.

الأمر لا يتعلق بضريبة فقط، بل يتعلق بمنهج يضع الحمل كله على كاهل من لا ذنب لهم، فقد توسعت الحكومات المتعاقبة في الإنفاق بلا حساب، وأهدرت المليارات على مشاريع وهمية، وعلى دمج التشكيلات المسلحة في أجهزة الدولة دون تمحيص، مما أضعف مؤسساتها وزاد من الفساد، وتحولت الثروة النفطية، التي يفترض أنها نعمة، إلى لعنة تدار بمنطق الغنيمة، الجميع ينهب بحسب قوته، وعندما تشح الخزينة أو تضيق السبل، أول من يتم اللجوء إليه هو المواطن.

يطلبون منه أن يتحمل عبء الفساد وسوء الإدارة والصراعات السياسية، ويتحمل الآن عبء ضريبة جديدة ستذهب بجزء من رزقه القليل، وفي المقابل، من يحاسب المسؤول الذي صرف الملايين على مشروع فاشل؟ من يحاسب من منح العقود لشركات وهمية؟ من يحاسب من وسع دائرة التوظيف لتشمل آلاف الموظفين الوهميين؟ الجواب: لا أحد.

المواطن هو الحلقة الأضعف، لذا فهو الهدف الدائم، الضريبة الجديدة ليست حلا لأزمة اقتصادية، بل هي غطاء لها، وبدلا من ملاحقة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، يفضلون فتح جيب المواطن وسحب ما تبقى فيه، إنها أسهل الطرق وأضمنها.

يفترض أن يجيب المسؤول الذي فرض الضريبة على أسئلة مهمة قبل فرضها؛ أين محاسبة المسؤولين السابقين عن الإهدار؟ متى ستستعاد الأموال المنهوبة؟ متى ستتوقف عمليات النهب المنظم؟ كيف ستضمن هذه الحكومة أو تلك أن دينار الضريبة الذي سيدفعه المواطن من عرقه لن يذهب إلى جيب فاسد جديد، أو لتمويل صراع سياسي آخر؟

المواطن الليبي لم يعد طفلا، فقد تعلم من التاريخ، ومن آلام الحاضر، ويعرف أن الضرائب في الدول العاقلة تفرض بشرط الرقابة والمحاسبة والشفافية، وتصرف على خدمات حقيقية يعود نفعها عليه، والضريبة التي تفرض في ظل غياب الدولة، وانتشار السلاح، واستمرار الفساد، وانهيار الخدمات، ليست إلا "جزية" جديدة يدفعها الشعب لطبقة حاكمة فقدت شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد شرعيتها السياسية.