السياسي

أريد نصيبي من الفساد!

أريد نصيبي من الفساد!

أريد نصيبي من الفساد! 

 

"السرقة كلها حرام".. هكذا نعلم أبناءنا منذ الصغر، ولكن ماذا لو تغيرت القاعدة فصار الخيار الذي نملكه هو بين أن تُسرَق، أو أن تُشرَك في السرقة؟ 

هذا ليس سيناريو لمشهد فانتازي يعرض في دراما رمضان، بل هو طرح جريء يروج له خبير اقتصادي ليبي، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ويقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، مغرية في جوهرها؛ بما أن الدولة فشلت في حمايتنا من الفساد، فلماذا لا تشركنا فيه؟ 

الطرح يعيدنا إلى بدايات الدولة الليبية، فبعد اكتشاف النفط أواخر الخمسينيات، تحولت ليبيا من أفقر دول العالم إلى مشروع دولة غنية، ولكنها دولة ريعية بامتياز، دولة تستهلك بدون أي إنتاج، ورغم المحاولات –الصادقة والزائفة- لتغيير هذا الواقع إلا أن ليبيا بقيت كما هي منذ اكتشاف النفط، نموذج مثالي لما يطلق عليه "جمهورية الموز"، دولة المنتج الواحد، تبيعه لتشتري ما تحتاج من منتجات، دون أن تساهم فعليا في إنتاج أي شيء، حتى مشتقات النفط الذي تنتجه خاما وتبيعه خاما، ومع غياب سيطرة فعلية لمؤسسات قادرة على كبح جماح الفساد؛ تحول إيراد البلاد من بيع النفط إلى غنيمة باردة لكل من استطاع إليها سبيلا. 

دعونا نحلل المقترح "الثوري" لتعميم الفساد؛ يقول الخبير إن المصرف المركزي وزع في 2025 ما يقارب 30 مليار دولار على شركات معظمها وهمية لا وجود لها إلا في حقائب مؤسسيها؛ عبر الاعتمادات المستندية، ولكن لو قسمت هذه الأموال على الليبيين، لحصل كل ليبي على 4000 دولار، يبيعها في السوق السوداء ويحصل على ربح سهل، ويشارك في "الكعكة" بدل أن يكون (حشوة) لها. 

لماذا يبدو هذا الكلام منطقيا لليبي العادي؟ لأنه يعيش تناقضات قاتلة، فليبيا دولة تصدر النفط الخام وتستورد كل شيء تقريبا، من القمح إلى قطع غيار السيارات إلى هواتف "آيفون"، ولكن وفرة الدولارات النفطية لا تترجم إلى رخاء، بل العكس هو الصحيح، والفجوة تتسع يوما بعد يوم، والمصرف المركزي يعلن سعر صرف رسميا للدولار عند 5.43 دينار، بينما يصل سعره في السوق الموازية إلى 9 دنانير، وهذه الفجوة هي ميدان معركة الفساد التي خسرها المواطن العادي دون أن يشارك فيها.

آلية النهب معقدة وبسيطة في آن واحد، حيث تمنح الدولة (عبر مصرفها المركزي) الشركات المستوردة دولارات بالسعر الرسمي، هذه الشركات -وكثير منها وهمي- تستورد سلعا لكنها تبيعها في السوق المحلي بسعر يحسب هامش ربحه على أساس سعر الدولار في السوق السوداء، لا السعر الذي اشترت به، والنتيجة هي تضخم جنوني في الأسعار، وربح فاحش للقلة وفقر مدقع للأغلبية. 

بعض المحللين يرون أن إغلاق السوق الموازية كان قرارا متخبطا ومتأخرا، فالسوق الموازية نفسها نبتت من رحم فشل المؤسسة الرسمية في الوفاء بالتزاماتها، والمستوردون يلجأون إليها لأن إجراءات الاعتماد المستندي الرسمي قد تستغرق أشهرا، ولا تعطى إلا على مبدأ (محمد واحميدة)، بينما تنجز السوق الموازية التحويل في لحظات، فالفساد دائما يولد من رحم البيروقراطية والتعقيد. 

الدولة من ناحيتها، تتحدث عن مكافحة الفساد، ولديها قوانين وتشريعات ومؤسسات، تتمتع بصلاحيات واسعة، كاستدعاء المشتبه بهم وتلقي إقرارات الذمة المالية، ولكن الدراسات النقدية لتشريعات مكافحة الفساد تشير إلى عيوب عميقة، والقوانين السرية حاليا قوانين قديمة ومشوهة وغير صالحة لمواكبة التطور الحاصل في العالم حولنا، إنها قوانين لا تحدد بوضوح جرائم الفساد، وتعمم العقوبات بشكل قد لا يخدم العدالة. 

وبينما يغرق المواطن أكثر وأبعد وأعمق في دوامة الأسعار، تعود الشركات النفطية العالمية الكبرى إلى ليبيا، "بي بي" و"وتوتال" و"إكسون موبيل" وغيرها توقع مذكرات تفاهم جديدة، والإنتاج النفطي يرتفع والإيرادات تتزايد، ولكن هذه الثروة الهائلة، التي يفوق المجمد منا 170 مليار دولار، منها 70 مليار دولار في صندوق الثروة السيادي وحده، ما زالت جزئيا مجمدة بموجب عقوبات دولية منذ 2011، ويحرم منها الشعب الليبي مرتين؛ مرة بسبب الفساد الداخلي الذي يحولها إلى جيوب خاصة، ومرة بسبب العقوبات الخارجية التي تحبسها في حسابات مجمدة.

وهنا يكمن جوهر النداء اليائس؛ لماذا لا نشارك في الفساد؟ إنه نداء المستسلم لفكرة أن الدولة لم تعد قادرة على أن تكون حامية وحارسة، بل أصبحت أداة في يد عصابات منظمة ترتدي بدلات وتجلس في مكاتب مكيفة وتقدو سيارات فخمة، إنه نداء يرى أن العدالة أصبحت مستحيلة، فليكن هناك، على الأقل، إنصاف في توزيع الغنيمة. 

الحل الصائب حتما هو ليس في تقنين السرقة، بل في كسر الآلة التي تنتجها، الآلة التي تخلق شركات وهمية، وتطبع نقودا مزورة، وتحتكر السلطة والثروة في يد قلة من الناس يمارسون الفساد جهارا، ويؤسسون شركات وهمية لاستيراد الهواتف والمواد الكهربائية والأدوية والمواد الغذائية، ثم يدركهم الحرج لتوسع نشاطاتهم، فيتوقفون قليلا قبل أن يؤسسوا شركات بأسماء بناتهم لاستيراد الأعلاف وقطع غيار الشاحنات. 

أما وقد فشلت الدولة في ذلك، وستفشل حتما في كل جهد لاحق، ولن ندفع إلا نحن البسطاء ثمنا لفشلها، فإني أطالب بنصيبي من الفساد، وأتمنى أن نساهم جميعا في حملة مليونية لإيقاف مليارات الفساد التي تباع للصوص الاعتمادات، وتوزيعها على المواطنين مباشرة، وقد جربت الدولة ذلك سابقا في ما عرف بمنحة أرباب الأسر، وقد استفاد منها الشعب أيما استفادة قبل أن توقف ونعود لنظام اللصوص القديم، الذي يأخذ من الكل ويعطي البعض، فيزيد الأغنياء غنى ويزيد الشعب فقرا ومعاناة، والدولة عاجزة عن حمايته، ونقول: أيتها الدولة العاجزة، إن لي الحق في أربعة آلاف دولار سنويا توزعينها على لصوص الاعتمادات لجلب أعلاف لا أستهلكها، وهواتف لا أستخدمها؛ أعطني (الـ4000 متاعي وربي يسمعنا على بعضنا الخير).