السياسي

انقسام المفوضية المسمار الأخير في نعش حلم الانتخابات !

انقسام المفوضية المسمار الأخير في نعش حلم الانتخابات !

 انقسام المفوضية المسمار الأخير في نعش حلم الانتخابات !

 

كتبنا كثيرا عن عبثية المشهد الليبي، عن حكومتين وبرلمانين وجيشين ومصرفين، كتبنا عن دولة واحدة بأكثر من روح، عن جسد مشطور يطالب بالوحدة وهو يغذي الانقسام بكل قوة.

اليوم نكتب عن فصل جديد من فصول هذه المهزلة، عن انقسام يلمس آخر قلعة كانت صامدة، أو هكذا بدت، قلعة تنظيم الانتخابات، المفوضية العليا للانتخابات. 

لم يكن وجود مفوضية واحدة في بلد الانقسامات إلا شذوذا يحتاج إلى تصحيح، واليوم جاء التصحيح، جاء ليضيف هيئة منقسمة إلى سجل الانقسامات الطويل، وكأن القائمين على الأمر يخشون أن يقرأ التاريخ يوما أن الليبيين، في أسوأ حالاتهم، حافظوا على هيئة وطنية واحدة.

القصة بدأت كالعادة بوعود وأكاذيب، بعد أن حذرت هانا تيتيه من خطوات بديلة إذا استمر الشقاق، سارع المجلسان، مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى تبادل اتهامات ثم عقد جلسات، اتفقت لجنتهما المشتركة لتعيين شاغلي المناصب السيادية على تغيير مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات بكامل أعضائه، وبدا الأمر وكأن الطريق إلى الانتخابات قد أصبح سالكا بعد طول عرقلة. 

لكن السياسة الليبية لا تعرف الطرق السالكة، تعرف فقط المناورات والتراجعات، في جلسة لمجلس النواب، قام عقيلة صالح، رئيس المجلس، بإحدى مناوراته البهلوانية المعتادة، قرر الرجل عدم تغيير مجلس الإدارة، والاكتفاء بملء الفراغات، وكأن المفوضية كرسي يحتاج إلى حشو لا إلى إصلاح.

كان القرار صفعة للمجلس الأعلى للدولة، صفعة أخرى تضاف إلى سجل الصفعات المتبادلة، فهل يتنازل الأخير ويحاول أن يمد يده للحوار، طبعا لا، كان رد المجلس الأعلى هو المضي في تغيير مجلس الإدارة كاملا، واستخدم حقه في اختيار رئيس المفوضية، واختار صلاح الكميشي لهذا المنصب. 

بهذه البساطة، وبهذه السذاجة، انقسمت المفوضية، أصبح لها رئيسان وإدارتان وإرادتان، وأصبحت صورة طبق الأصل عن الدولة التي من المفترض أن تنظم انتخاباتها.

بيانات عدم الاعتراف تصدر هنا وهناك، كالعادة، لا يعترف مجلس النواب بشرعية الكميشي، ولا يعترف المجلس الأعلى باستمرارية الرئيس السابق، الخطابات تتصاعد، التصريحات تتهادى، والليبيون يتساءلون: أين تصويتنا؟ أين حقنا في اختيار من يحكمنا؟ 

الجواب يأتي من واقع مرير، الانتخابات التي كانت في مهب الريح أصبحت رسميا في خبر كان، لم يعد الأمر مجرد تأجيل أو تعقيد، أصبح إجهاضا متعمدا، حيث دق عقيلة صالح ومحمد تكالة المسمار الأخير في نعشها، واحد ثبت المسمار والآخر أمسك بالمطرقة، وبتوافق غير مكتوب، وبعداء معلن، اتفقا على أمر واحد فقط؛ لا انتخابات.

الغريب في المشهد أن الجميع يلعب لعبة إلقاء اللوم، مجلس النواب يلقي باللوم على المجلس الأعلى، والمجلس الأعلى للدولة يرد الاتهام، والحكومتان في طرابلس وبنغازي تتفرجان، أو ربما تشاركان في الخلفية، البعثة الأممية تصدر بيانات قلقة، مجلس الأمن يدعو للحوار، والشعب الليبي يدفع الثمن. 

الثمن هو الاستمرار في دوامة اللاحكم، دوامة الميليشيات والفساد وانهيار الخدمات، الثمن هو طوابير المصارف وآلات السحب والانهيار المتسارع للعملة والكهرباء التي تختفي كما يختفي الأمل، الثمن هو مستقبل أجيال تربت على الخوف والقتل والانقسام.

في خضم هذا العبث، تبرز حقيقة مؤلمة، ربما تكون الانتخابات آخر هموم النخبة السياسية، همهم الأول هو الكرسي والبقاء، همهم هو اقتناص الفرص في فوضى تدر أرباحا، أرباحا مالية من فساد، وأرباحا سياسية من استمرار حالة اللادولة. 

المفوضية المنقسمة ليست سوى حلقة في مسلسل بدأ منذ سنوات مع انقسام المؤسسات، فدولة يشرع لها مجلسان، وتقودها حكومتان، ويحميها جيشان، ويراقب الفساد فيها هيئتان، ويحاسب السلطة فيها ديوانان، ويرسم سياستها المالية مصرفان، وها هو يكتمل اليوم لتصبح لانتخاباتها مفوضيتان؛ لم يبق لها إلا انقسام الجغرافيا نفسها، انقسام الأرض، وهذا أيضا يبدو قادما بخطى ثابتة. 

مشروع الانقسام الرسمي لم يعد خيالا، لم يعد نظرية مؤامرة، أصبح إمكانية قائمة تلوح في الأفق، سلطات الشرق بقيادة حفتر تتحكم بمناطقها، وحكومة الدبيبة في الغرب تحاول إدارة ما تبقى، بينهما صراع نفوذ وسلاح وموارد، وبينهما شعب صامت ومنهك.

الحدود التي تظهر على الأرض هي حدود النفوذ، حدود السيطرة للسلاح، حدود توزيع الثروة، حدود الولاءات الخارجية، في الشرق تدعم دول، وفي الغرب تدعم دول أخرى، واللعبة الدولية تستمر على حساب الدم الليبي.

ما الذي قد يوقف هذا الانزلاق نحو الهاوية؟ المعجزة وحدها، أو ربما صحوة ضمير، صحوة تدرك أن سقوط السفينة يعني غرق الجميع، أن استمرار الانقسام يعني الموت البطيء للجميع، لا منتصر في حرب الجميع ضد الجميع. 

الصحوة تتطلب تجاوز المجالس الطفيلية التي لم تنتج سوى المزيد من التعقيد، تجاوز خطابات الوطنية الزائفة، تجاوز الغرور والأطماع، تجاوز سرقات المال العام التي تمول الصراع، تتطلب الجلوس على طاولة واحدة، طاولة فيها تنازلات وليس انتصارات، فيها اعتراف بالآخر وليس إقصاء له.

لكن من الذي يجلس على هذه الطاولة؟ ليست المجالس المنتخبة على ورق، ليست الحكومات التي تفتقد الشرعية والشعبية، من يجلس هم أصحاب السلاح الحقيقيون، أصحاب النفوذ الفعليون، من يتحكمون في الأرض والموارد والمليشيات.

حتى هؤلاء منقسمون، حتى هؤلاء تتحكم فيهم حسابات ضيقة، حسابات الكرسي والجيب، لذلك تبقى المعجزة بعيدة، ويبقى السقوط أقرب.

نحن الآن أمام مفوضيتين، أمام طريق مسدود، أمام انتخابات أصبحت أحلاما في سجل المؤملات، أمام شعب يفقد الثقة في كل شيء، في السياسة، في السياسيين، في المستقبل. 

الأسوأ أن العالم بدأ يتقبل فكرة ليبيا المنقسمة، بدأ يعتبرها واقعا، بدأ يتعامل مع الكيانات المنقسمة كما تتعامل مع الدول، هذه هي النهاية التي نسير نحوها، نهاية الدولة الواحدة، ونهاية فكرة الوطن المشترك. 

ربما يأتي يوم نندم فيه على أيام المفوضية الواحدة، على أيام المؤسسات الموحدة، على أيام الدولة التي كانت تعاني ولكنها كانت قائمة، ربما نكتشف أن الانقسام الرسمي هو الجحيم الحقيقي، جحيم لا يولد منه إلا المزيد من الحرب، والمزيد من الدمار، والمزيد من التشرد.

 

الآن، والمفوضية تنقسم، والانتخابات تموت، والمستقبل يغيب، لا يبقى لنا إلا سؤال واحد: إلى متى سنبقى نرقص على جثتنا؟ إلى متى سنبقى نحفر قبورنا بأيدينا؟ الجواب لا يعرفه أحد، إلا أن النهاية، لكل هذا العبث، لن تكون جميلة.