الثلاثمائة مليار: قانون يبيع مستقبل ليبيا ليطفي ديون سرقات الماضي
يقول المثل الليبي القديم: "من لحيته افتله حبل"، أي استخدم المشكلة نفسها لصياغة الحل، وهذا تماما ما فعله مجلس النواب مؤخرا، فقد فتل لنا حبلا من شعرنا، لا لينقذنا؛ بل ليشنقنا به.
لقد أصدر مجلس النواب الليبي قانونا تاريخيا، لو كانت ليبيا تمتلك متحفا للعار السياسي لكان أول المعروضات فيه، القانون يمنح الشرعية، ويجبر الدولة على الالتزام بتسديد دين مصرفي بلغ 303 مليار دينار، هذا الرقم الفلكي لم يظهر من فراغ، ولم ينزل علينا كصاعقة من السماء لا نملك ردها، بل هو حصيلة عقد من الزمان، من عام 2014 حتى اليوم، من الإنفاق الحكومي المتهور.
حكومات متعاقبة في الشرق والغرب توسعت في الاستلاف من المصارف، لتمويل كل شيء، من الحروب إلى الرواتب الوهمية، ومن صفقات السلاح الذي تستعمله ضدنا إلى مؤتمرات الفنادق الفاخرة والمهرجانات والافتتاحات، كانت تأخذ من المصرف اليوم لتغطي إنفاق الأمس، وتدفن المستقبل تحت ركام الديون، واليوم جاء هذا القانون ليقول لنا: ادفعوا.
هذا الدين لن يتبرع بسداده كريم محسن، أو ينزل علينا من السماء، العبء سينتزع انتزاعا من عصب الحياة الوحيد في ليبيا، سيقتطع ثلاثة في المائة، بشكل آلي ومباشر، من كل إيرادات النفط والغاز، من كل برميل يباع، من كل عقد يوقع، ستخصم فاتورة جشع الماضي، كما ستمتص المليارات من احتياطيات النقد الأجنبي، ومن أرباح بيع العملة الصعبة للمواطنين، الدولة تعترف بفشلها فتجعل الخزانة العامة رهينة للدائن، والمواطن الذي يعاني ليجد دواء أو كهرباء، هو من يدفع لترميم إفلاس من يدعون حمايته.
هذه الدراما لا علاقة لها بالعدالة، كما قد يروج لذلك بعض الجهويين، فالمواطن في الشرق أو الغرب؛ ليس طرفا في اتفاقية القرض، ولم يكن في غرفة صناعة القرار حين توسع المسؤولون في الاقتراض، ولم يشارك في جلسات توقيع الصفقات المشبوهة، ولا في اجتماعات توزيع المناقصات على المعارف والحبايب، لقد شارك فيها من يعتقدون أنفسهم حكاما، ووزراء أداروا البلاد كما يدير اللصوص مخزنا، والمواطن كان خارج السرب، مشغولا بمعركته اليومية للبقا، والآن، يجد نفسه ملزما بسداد فاتورة الوليمة التي لم يدع إليها.
الموارد النفطية، التي هي ملك لكل الليبيين، وجدت لتبني مستشفى وتعطي فرصة عمل وتشيد مدرسة، وجدت لتحول الصحراء إلى أراض زراعية، وتوفر حياة كريمة لأبناء البلاد، لم توجد لتكون غطاء ماليا لتهور الحاكم وتغول الميليشيا وفساد الموظف، أما المواطن البسيط فلا يرى من إيرادات النفط إلا انهيار الدينار وغلاء السلع واختفاء الخدمات، وباقي الموارد تذهب لسد ثغرة الديون، بينما يزداد هو فقرا، وهو يرى كيف نجحت النخب الحاكمة في تحويل النعمة الوطنية إلى نقمة شخصية عليه.
وددنا لو أن مجلس النواب أصدر قانونا يسأل فيه عن هذه المليارات، أين ذهبت؟ ومن استفاد منها؟ ولماذا لم تغير حياة إلا قلة قليلة من الفاسدين؟ ورغم انشغال مجلس النواب عن هذه الأسئلة؛ إلا أن الجواب معروف، لكن القانون يجري فوقه كأنه غير موجود، جزء كبير منها ذهب لتمويل رفاهية غير مسبوقة لطبقة حاكمة جديدة، رواتب خيالية، سيارات فارهة، سفر للعلاج في أفخم المصحات العالمية، وعقارات تشترى في عواصم أوروبا، جزء آخر، ربما أكبر، تسرب عبر قنوات الفساد المنظمة في صفقات وهمية، وعمولات تصل إلى الملايين، وتهريب للمال العام، قضايا فساد كبرى ماثلة أمام النائب العام، وأخرى لا يستطيع حتى هو تحريكها، أسماء متداولة، وأرقام هائلة، والضحية الوحيدة المطالبة بالسداد هو المواطن البسيط.
هذا القانون، في حقيقته القانونية المجردة، ليس إلا عملية غسيل ضخمة، وإضفاء شرعية بأثر رجعي على سرقات تراكمت على مدى عقد من الزمان، هو تحويل لأموال منهوبة إلى دين عام معترف به، هو صك عفو مالي عن كل من نهب وبدد وسرق واستطال في أموال الشعب المطالب اليوم بالسداد.
ما يجري ليس إدارة لأزمة دين، بل هو تقنين رسمي للإفلاس، وتسوية قضائية بين اللصوص على حساب الضحية، بتحويل الخزينة العامة إلى ما يشبه صندوق "تكافل" لتعويض المصارف عن خسائرها في مقامرة سياسية خاسرة، واليوم يريدوننا أن نناقش آليات الإطفاء ونسبة الخصم، بينما الجريمة الحقيقية هي الاعتراف بالدين نفسه.
النتيجة واضحة كشمس الظهيرة، جيل كامل من الليبيين سيعيش مثقلا بهذا العبء، وأموال كان يفترض أن تذهب لبناء المدارس والمستشفيات والطرق؛ ستنفق لتسديد ديون جيل الحروب، وستحول إلى حسابات الدائنين.
في النهاية، يبقى السؤال الأكثر مرارة والذي سألناه كثيرا هنا في علاش وما زلنا سنسأله؛ من يحاسب من؟ الحكومات التي أنشأت الدين تتنصل، والمجالس التي صاغت القانون تتنصل، والمصارف التي وفرت القروض تنتظر أموالها، أما المحاسب الوحيد، فهو ذلك الكائن المجهول الذي يدعى "المواطن"، والذي يبدو أن دوره الوحيد في المعادلة الوطنية هو أن يدفع ويصمت، وينتظر الفاتورة القادمة.
هذه ليست سياسة مالية، هذه مهزلة تكتب فصولها بسياط السلطة على ظهورنا، لقد مرروا اليوم قانونهم، وغدا يضعون يدهم على المليارات لسداد الدين، لتندمل جراح الحكومة على حساب جراح الوطن الذي ينزف منذ أكثر من عشر سنوات، بينما يجهز الضحايا أنفسهم لمعاناة جديدة، يدفعون ثمنها وحدهم، بينما هم يتجادلون حول أي الحكومتين أرشد، وأي الجيشين أقوى، وأي الجسرين أمتن!