السياسي

العدالة بين لاهاي وسوق الجمعة: من يدافع عن الضحايا حقًا؟

العدالة بين لاهاي وسوق الجمعة: من يدافع عن الضحايا حقًا؟

العدالة بين لاهاي وسوق الجمعة: من يدافع عن الضحايا حقًا؟

 

كلنا سمع بالمقولة الشهيرة "المبادئ لا تتجزأ"، وهي كذلك؛ لا تتجزأ، فإذا رأيت من يرفع شعارا في مناسبة ويخفيه في غيرها فاعلم أنه منافق، فلا تغتر بشعاراته الجوفاء فهي واجهات براقة لبضاعة مزجاة معروضة للبيع لمن يدفع أكثر، يستعملها ببراعة حين تخدم مصلحته، ويتظاهر بأنه لم يسمع بها حين تتقاطع مع أجندته، هذه اللعبة المكشوفة تتجلى اليوم في الضجة المصطنعة حول مثول خالد الهيشري، المسؤول السابق في سجن معيتيقة، أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. 

الهيشري ليس موظفا بسيطا، فهو أحد العناصر البارزة في جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وارتبط اسمه بإدارة أو الإشراف على سجن معيتيقة في طرابلس، وتضم التهم الموجهة إليه من المحكمة الجنائية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والاغتصاب والعنف الجنسي، ويشتبه في أنها ارتكبت بشكل منهجي بين عامي 2015 و2020. قبضت عليه السلطات الألمانية في برلين في يوليو الماضي أثناء سفره، وسلمته لاحقا إلى المحكمة. 

ولكن، وسط ترحيب منظمات حقوقية محلية ودولية بهذه الخطوة باعتبارها نقطة تحول في مسار محاسبة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في ليبيا، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب؛ ارتفع صوت غاضب من سوق الجمعة، حيث أصدر المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة والنواحي الأربعة بيانا وصف فيه ما سماه بـ"تسليم الهيشري" بأنه اعتداء سافر على سيادة الدولة وجريمة وطنية، وهاجم البيان حكومة الوحدة الوطنية واتهمها بالتفريط في الثوابت الوطنية والخيانة وغيرها، رغم أن الحكومة لم تسلم الهيشري وإن كانت قد سلمت غيره! 

لكن السؤال الذي يطرح بإلحاح هنا؛ هل هذا الغضب نابع من حمية وطنية صادقة؟ أم أنه مجرد رصاصة في حرب سياسية تستخدم فيها كلمات "السيادة" و "الثوابت" كدروع لتغطية مصالح ضيقة؟ 

الغريب في بيان المجلس الوطني الغيور، أنه ينسى أو يتناسى تاريخا من التسليمات والمحاكمات الخارجية التي لم يحرك فيه المجلس أو غيره من الأجسام المشابهة ساكنا، لأن الخصوم السياسيين حينها كانوا في جهة أخرى من المعادلة.

أين كان صوت هذا المجلس عندما سلمت السلطات الليبية أبوعجيلة المريمي للمحاكمة في قضية كانت قد أغلقت منذ سنوات؟ لم نسمع أي غضب وطني ثائر من سوق الجمعة، لأن مصدر القرار التسليم كان يحظى بقبول الجهة التي يتبع لها المجلس. 

وأين كان موقف الثوابت الوطنية عندما قام جهاز الردع نفسه، وهو الكيان الذي ينتمي إليه الهيشري ويرتبط به المجلس اجتماعيا وسياسيا، بالقبض على الليبي هاشم العبيدي وتسليمه إلى بريطانيا؟ تمت العملية عبر مطار معيتيقة بالذات، نفس المكان الذي ارتكبت فيه بعض أفظع الانتهاكات المنسوبة للهيشري، هل كان تسليم العبيدي تفريطا في السيادة أيضا؟ أم أن السيادة، مثل الرجولة؛ تحضر وتغيب؟

وأين كان البيان الاستنكاري عندما اختطف نزيه الرقيعي من بيته في عرادة في سوق الجمعة نفسها، ليحاكم خارج البلاد؟ الرقيعي ابن قبائل النواحي الأربعة التي يدعي المجلس تمثيلها، لكن صمته كان مطبقا، فلم يكن هناك ما يمكن جنيه سياسيا من الدفاع عنه. 

وإذا عدنا بالذاكرة أبعد من ذلك سنتذكر تسليم ابن سوق الجمعة أيضا، الأمين افحيمة، ولن نتذكر أي رفض أو استنكار، بل ربما تمجيد وإشادة بحكمة القائد الأممي.

هذه الأمثلة ليست سوى غيض من فيض من النفاق السياسي المنظم، لكنها تكشف بجلاء أن مصطلحات السيادة والثوابت الوطنية في قاموس بعض النخب ليست سوى عملة تكتيكية تستخدم في المعارك السياسية، تدفع عند الحاجة إليها، وتخفى عندما يكون إظهارها مظنة لإلحاق الضرر بالوطني الغيور الذي يستعملها. 

ما يحدث اليوم ليس دفاعا عن السيادة، بل هو فصل جديد في الحرب السياسية باستخدام أدوات ناعمة، ولو كانت الحكومة وجهاز الردع على وفاق لما سمعنا هذا البيان ولا قرأناه، والهيشري نفسه ليس سوى بيدق في هذه اللعبة؛ فهو من كبار مسؤولي جهاز الردع، الجهاز المناوئ سياسيا لحكومة الدبيبة التي سبق وأنقذت أحد قادة الجهاز عندما اعتقل في إيطاليا. 

لقد حولت بعض الأطراف قضية محاكمة متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية إلى منصة للهجوم على الخصم السياسي، رغم أن الاتهامات الموجهة للهيشري خطيرة وتستند إلى أدلة جمعتها المحكمة على مدى سنوات، والضحايا، وهم ليبيون وأجانب، عانوا من تعذيب منهجي وعنف جنسي في سجون يفترض أنها تخضع لسلطة الدولة، لكن كل هذه المعاناة تختزل في خطاب بعض السياسيين إلى مجرد ذريعة لاتهام الدبيبة بالخيانة. 

المفارقة أن جهاز الردع، الذي ينتمي إليه الهيشري، كان في سنوات سابقة جزءا من منظومة الحكم في طرابلس وتمتع بغطاء رسمي، غير أن تحولاته وتعقيدات علاقته مع السلطة هي جزء من تشابك المصالح والولاءات الذي يجعل من السهل على النخب تسييس أي قضية، حتى قضية عدالة تنتظرها عائلات الضحايا منذ سنوات.

وعلى المواطن الليبي ألا يصدق خطابا ينفخ فيه السياسي في كلمة "الوطن" عندما يريد ضرب خصمه، ثم ينسى نفس الكلمة عندما تخدم مصالحه في صفقة ما، وقد رأينا بأم أعيننا كيف تتبخر المبادئ أمام المصالح، وكيف تتحول الثوابت إلى متغيرات في حسابات النخب. 

محاكمة الهيشري هي قضية عدالة وحقوق إنسان في الأساس، وضحايا سجن معيتيقة وآلاف غيرهم في مراكز الاحتجاز الليبية يستحقون محاكمة عادلة، سواء جرت في لاهاي أو في طرابلس أو بنغازي، أما الضجيج السياسي المصاحب، فهو ليس سوى صدى مصلحة، وهو يذكرنا بأن العديد ممن يتصدرون المشهد اليوم ويحركون الغضب الشعبي، هم أنفسهم من شاركوا في صنع النظام الذي أنتج سجونا مثل معيتيقة، أو سكتوا عن انتهاكاتها عندما كانت تخدم توازنات القوى. 

 

في النهاية، التاريخ لا يخدع بهذه البيانات الساحرة، وسيسجل أن بعضا ممن رفعوا اليوم شعار "لا للتدخل الخارجي" كانوا أول من يسلم خصومهم إلى الخارج عندما كان ذلك يناسبهم، والمواطن الذي يعاني من انهيار العملة الوطنية وغلاء الأسعار وانهيار الخدمات، يدرك أن هذه المعارك الوهمية على السيادة والثوابت ما هي إلا إلهاء عن فشل النخب في بناء دولة حقيقية، تكون فيها السيادة للقانون وللعدالة التي لا تتجزأ.