كرسي الحداد الفارغ: من الجنرال الذي سيوازن النار؟
رحيل الفريق محمد الحداد في حادث سقوط الطائرة قرب أنقرة لم يفتح فقط باب الحزن في مصراتة وطرابلس، بل فتح فجأة أهم كرسي عسكري في المنطقة الغربية في لحظة سياسية وأمنية حساسة أصلًا.
الرجل الذي كان يُسوَّق له كشخصية توافقية نسبيًا داخل معسكر الغرب اختفى بشكل مفاجئ، تاركًا فراغًا في موقع يمثل عصب أي حديث عن توحيد المؤسسة العسكرية أو حتى ضبط إيقاع السلاح داخل العاصمة والمدن المحيطة بها.
في هذا الفراغ، تظهر ثلاثة أسماء رئيسية لكل واحد منها مدينة تقف خلفه وتاريخ عسكري وسياسي ثقيل:
أسامة الجويلي من الزنتان، وصلاح النمروش من الزاوية، وأحمد أبو شحمة ممثلًا لمصراتة. وبين هذه الأسماء يحاول عبد الحميد الدبيبة إعادة ترتيب حكومته وتحالفاته بعد صدامات متقطعة مع قوة الردع الخاصة وتشكيلات مسلحة أخرى، بينما تتحرك حسابات العواصم الإقليمية والدولية في الخلفية، خصوصًا مع الحديث عن مناورة عسكرية مشتركة في شهر مارس القادم بين قوات حفتر وقوات من المنطقة الغربية برعاية أمريكية، في محاولة لاختبار إمكانات “التعايش العسكري” ولو شكليًا.
نظريًا، رئيس الأركان منصب عسكري مهني، لكنه في ليبيا اليوم موقع سياسي بامتياز. من يجلس عليه مطلوب منه أن يدير شبكة توازنات بين المدن والتشكيلات المسلحة، وأن يتعامل مع المسارات الدولية مثل لجنة 5+5 والترتيبات الأمنية، وأن يستوعب حساسية أي تقارب ميداني بين الشرق والغرب، خصوصًا في ظل محاولات واشنطن الدفع بمناورات مشتركة تضع خصوم الأمس في ميدان واحد ولو تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
في هذا السياق يبدو صلاح النمروش مرشح الأمر الواقع بحكم أنه معاون الحداد والقائم بالمهام حاليًا، ومعه شعور واضح داخل الزاوية بأن المنصب أصبح “حقًا مكتسبًا”. النمروش يمتلك شبكة علاقات دولية من فترة توليه معاون رئيس الأركان الراحل محمد الحداد اضافة لمنصب أمر المنطقة العسكرية الغربية، وهو اسم مقبول خارجيًا وقابل للتسويق كخيار «استمرارية لا يهز المشهد». لكنه يحتاج داخليًا إلى بناء تفاهمات حقيقية مع قوة الردع واللواء 444 وتشكيلات مصراتة والزنتان، حتى لا يتحول منصبه إلى شرارة احتكاك جديد داخل الغرب نفسه، خاصة إذا مضت المناورة الأمريكية نحو التنفيذ.
على الجانب الآخر يقف أسامة الجويلي، الأقدم والأكثر وزنًا عسكريًا بين المرشحين، لكنه اليوم ليس فقط بعيدًا عن الدبيبة بل على خلاف واضح معه، وأقرب سياسيًا إلى محمد المنفي وإلى معسكر يرى في الدبيبة جزءًا من أزمة لا جزءًا من حل.
الجويلي أيضًا خصم صريح لحفتر، يعرفه ميدانيًا ويعارض أي شرعنة لتمدده العسكري. هو شخصية قوية تمتلك نفوذًا في الزنتان والجبل الغربي وغدامس، وهو المرشح الأكثر قدرة — نظريًا — على خلق توازن صلب أمام حفتر إذا تطورت المناورة الأمريكية لاحقًا إلى ترتيبات ميدانية أبعد من مجرد تدريب.
لكن في المقابل، تعيين الجويلي يعني إدخال خصم سياسي مباشر إلى قلب المعادلة بالنسبة للدبيبة، ورجل قريب من المنفي، وقد يتحول بسهولة إلى مركز ثقل مستقل ينافس على القرار التنفيذي نفسه.
أما أحمد أبو شحمة، ممثل مصراتة وعضو لجنة 5+5، فهو الضابط الذي عاش تفاصيل وقف إطلاق النار والتفاوض على مسارات سحب المرتزقة وترتيب الجبهات، يمتلك شرعية التفاوض وخبرة التعامل مع الجانب الشرقي في الاجتماعات العسكرية الرسمية، وهو ما يجعله شخصية قادرة على التواصل مع حفتر ومعسكره ضمن الإطار الأممي دون أن تُحسب عليه اصطفافات سياسية حادة كالتي تُحسب على الجويلي.
لكن صورته ما زالت أقرب إلى ضابط لجنة تفاوض لا إلى قائد حاد الصدام مع الخصوم، وهو ما قد يجعله خيارًا مفضلًا لمن يريد التهدئة بدل خلق توازن ردعي صلب.
وسط هذه الأسماء الثلاثة يجد الدبيبة نفسه أمام معادلة دقيقة: فهو لا يريد خسارة مصراتة التي تمثّل عمقه السياسي والاجتماعي، ولا يستطيع تجاهل الزاوية التي تمسك بأوردة مهمة في الغرب، ولا يرغب في تمكين الجويلي الذي يختلف معه سياسيًا ويميل إلى المنفي ويقف بوضوح في خانة العداء لحفتر، وفي الخلفية تقف المناورة الأمريكية القادمة كورقة ضغط إضافية: من سيقود القوات الغربية في مشهد تدريبات مشتركة مع قوات حفتر؟ شخصية توافقية؟ أم شخصية صلبة تقف على مسافة عدائية منه؟
السيناريوهات المحتملة تتراوح اليوم بين تثبيت النمروش باعتباره مرشح الاستمرارية الذي لا يغيظ أحدًا كثيرًا ولا يرضي أحدًا بالكامل، أو الدفع بأبو شحمة باعتباره واجهة “ميسّرة للتواصل” في ظل الانخراط الدولي في الملف العسكري، أو المغامرة بعودة الجويلي من الباب الكبير إذا احتاجت بعض الأطراف لميزان قوة واضح ضد حفتر وتوسعه المحتمل. في النهاية، يظل السؤال أوسع من مجرد اسم الجنرال المقبل .
المسألة تتعلق أساسًا بما إذا كانت ليبيا ستنجح في بناء مؤسسة عسكرية قادرة على خلق توازن حقيقي دون الخضوع لمنطق المدن، أم أن المنصب سيبقى جزءًا من لعبة المحاصصة والتفاهمات المؤقتة ، وربما يأتي رئيس الأركان القادم من بين هؤلاء الثلاثة أو من اسم لم يظهر بعد، لكن الامتحان الحقيقي سيبقى واحدًا: من يقدر أن يخلق التوازن بين حفتر، والدبيبة، والمنفي، والتشكيلات المسلحة في الغرب — دون أن يجر البلاد إلى مواجهة جديدة أو إلى خضوع جديد؟