السياسي

ورثة السلطة في ليبيا: هل تتكرر مأساة جسّاس وكليب؟

ورثة السلطة في ليبيا: هل تتكرر مأساة جسّاس وكليب؟

ورثة السلطة في ليبيا: هل تتكرر مأساة جسّاس وكليب؟

 

تثبت الصيرورة التاريخية عبر محطاتها الممتدة، أن الأعباء والالتزامات الأدبية والديون الأخلاقية التي يتحملها الآباء برضاهم أو على مضض ليست ملزمة للأبناء بأي حال، ولا هي بالدين الواجب انتقاله تلقائيا لجيل نشأ في ظروف مغايرة وموازين قوة مختلفة، فالوفاء والتنازلات الاستراتيجية التي يبديها الرعيل الأول بدافع الامتنان أو العرفان بفضل قديم، غالبا ما تتلاشى وتتحلل حين تنتقل التركة إلى جيل جديد لم يعش مرارة البدايات، ولا يرى في المكتسبات الراهنة إلا حقا طبيعيا واستحقاقا مكتسبا.

تستحضر ذاكرة العرب التاريخية قصة بليغة من حرب "البسوس"، أطول وأشرس حرب أهلية بين أبناء العمومة من بكر وتغلب، لم تندلع تلك الحرب الهوجاء إلا حين اصطدمت نرجسية العزة الجديدة بعقدة الوفاء القديم، فقد تحمل شيوخ القبائل وبقية وجوه القوم سياط الاستبداد والإجراءات التعسفية والتعالي الذي مارسه "وائل بن ربيعة" (المعروف بكليب)، كبير تغلب، لا عجزا منهم ولا هوانا، بل لإدراكهم التام لفضله العظيم في توحيد صفوفهم وقيادتهم للتحرر من بطش واستعمار ملك اليمن الذي أرهقهم بسلطانه وضغطه، ففضل شيوخ بكر وسائر العشائر أن يتحملوا ضيما وطغيانا يصدر من أحدهم ومنقذهم على أن يعودوا إلى ذل الاستعباد للغريب، لكن هذا التوازن الهش وسيكولوجية "عقدة الامتنان" لم تورث للجيل الجديد؛ فالشباب الذين نشأوا في ظلال التحرر والعزة لم يعرفوا مرارة العبودية لملك اليمن، ولم يحملوا في نفوسهم ذات الوفاء والتقدير لكليب كما حملته الأجيال السابقة، وبرز في هذا الجيل جساس بن مرة، متحررا من قيود التنازلات الأدبية، فرأى في كبرياء كليب استبدادا لا يطاق، وأعلن رفضه لهذا الصنف عدة مرات، حتى انتهى الأمر باغتياله لكليب، ليشعل شرارة حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس واستمرت أربعين عاما.

 

إن هذا الإسقاط التاريخي ينطبق بوضوح وتطابق شديدين على المشهد السياسي والأمني في الواقع الليبي اليوم، فليبيا التي تقع اليوم تحت سيطرة ونفوذ عائلتين نافذتين تتقاسمان السلطة والثروة وجغرافيا السيطرة، تبدو واقفة بحذر على حافة حربين أهليتين محتملتين لا حرب واحدة، فكل عائلة منهما تحيط بها وتتجاذبها أطراف صراع داخلي على النفوذ، كفيل بتهديد بنيان سلطتها، وقد يطيح بما تبقى من كيان الدولة المتداعية.

ففي الشرق، تتجسد العائلة الأولى التي يتجاذب فيها الأبناء أطراف سلطة والدهم ونفوذه؛ حيث يسعى كل منهم لإيجاد موقع بقاء وتثبيت للأقدام، ويتطلع للحلول محله في قيادة الساحة، ورغم أن أحد الأبناء يبدو بوضوح أقرب إلى حضوة الوالد ودعمه المباشر، إلا أن بقية إخوانه لا يدينون له بالولاء المطلق ولا يعترفون له بسبق التسليم، والأرجح أن ينفجر بين أجنحتهم صراع نفوذ ومواجهة مكتومة متى ما غاب ظل والدهم أو ضعفت قبضته الجامعة.

أما العائلة الأخرى في الغرب، فهي التي تحمل نفسا "بسوسيا" صريحا يقربنا تماما مما دار تاريخيا بين أبناء العمومة بكر وتغلب، فكبير هذه العائلة ومؤسس شبكة نفوذها المالي والسياسي ما زال حيا، لكنه يميل وينصرف إلى إدارة وتنمية الثروة وإمبراطوريات المال أكثر من اهتمامه بالمناصب السياسية المباشرة، وهو الذي ثبّت ابن شقيقه ورشحه لرئاسة الحكومة، وفي الوقت ذاته نصب ابنه في موقع مهم ورئيسي داخل هيكل الدولة، حتى بات ينشط كأنه رئيس لحكومة ظل حقيقية تحكم وتدير المشهد نيابة عن الحكومة برمتها وعلى حساب رئيسها الرسمي.

 

استمر رئيس الحكومة في تقديم المراعاة والتجاوز عن تجاوزات ابن عمه، مقدرا فضل عمه الأكبر عليه؛ فهذا العم هو من أدخله في عالم شبكات الثروة والثراء أيام النظام السابق—وما زال الجهاز التنموي الذي أشرف على المليارات يعرف باسمهم حتى اليوم—ثم ضخ ثروته ونفوذه ليدفعه إلى صدارة مشروع السلطة بعد ثورة فبراير حتى بلغ دكة رئاسة الوزراء، ولذلك، يتفادى رئيس الحكومة بذكاء أو حرج الاصطدام بابن عمه، حرصا على العهد والتزاما باليد البيضاء لعمه عليه.

لكن المأزق يكمن في ظهور جيل جديد داخل العائلة يبرز بحماس إلى الأضواء، جيل منعم بسبل الرفاهية المفرطة ومترف بسطوة السلطة، يرى في نفسه أحقية واضحة لاعتلاء أعلى الهرم وأرفع المناصب، هذا الجيل الشاب لا يرى لكبير العائلة أي فضل أخلاقي أو مزية سابقة عليه؛ فهو لم ينقذه من فقر ولا فاقة لأنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، ولم يعطه السلطة مكرمة منه لأنه بلغ مبالغ الرجال بينما يرى والده المباشر يتربع على سدتها، وبناء على ذلك، ينظر هذا الجيل لسكوت والده وصبره الممتد على تغول ابن عمه بوصفه ضعفا وخورا غير مبرر، ولا يجد نفسه ملزما بوراثة "عقدة اليد السفلى" ولا الديون الأدبية التي تكبل حركة والده.

أمام هذه المعادلة المشتعلة، يطرح السؤال نفسه بحدة: هل نرى "جساسا" و"كليبا" يظهران قريبا في شوارع طرابلس؟ ومن منهما سيكون السباق إلى مبادرة الطعن في هذه المباراة المفتوحة؟ وما هي التداعيات السياسية والأمنية المخيفة لتلك الطعنة المنتظرة؟ وهل يمكن لبيت العائلة الحاكمة في الغرب أن يصمد ويثبت أمام كل الهزات والنكبات، والضربات الأمنية، والتفاهمات الهشة، والإضرابات والاعتصامات، ليخر سريعا ويتهاوى في النهاية لمجرد أن كبرياء أحد أبنائه الجدد كان أكبر وأعز من أن يحتمل تفوق ابن عمه عليه في مباراة لكرة القدم أو سباقا في مضمار خيل؟