السياسي

مزرعة الحيوان: قراءة في نسختها الليبية!

مزرعة الحيوان: قراءة في نسختها الليبية!

مزرعة الحيوان: قراءة في نسختها الليبية!

 

رسم الروائي الإنجليزي الشهير جورج أورويل في روايته الرائعة (مزرعة الحيوانات) صورة قاتمة للشخصية الإنسانية وسيكولوجية السلطة، مستخدما رموزه الأدبية العبقرية ليكشف كيف أن الثورات التي ترفع شعارات التحرر والعدالة غالبا ما تقع في فخ إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة وأقنعة أكثر خبثا ودهاء، وحين نتأمل الواقع الليبي المعاصر، سنجد أنفسنا أمام نسخة واقعية مذهلة لأحداث تلك الرواية، حيث تحولت أحلام التغيير والانعتاق من الطغيان إلى صراع مرير على الغنيمة والسلطة، ووجد المواطن البسيط نفسه محاصرا بين وعود براقة بالتطور والتقدم والتحرر، وأباطرة جدد سلكوا ذات الطريق الذي ادعوا يوما أنهم ثاروا عليه، بل وتفننوا في إتقانه حتى فاقوا من سبقهم.

تعود بنا الذاكرة إلى لحظة الانطلاق الأولى، حيث التقت إرادة الغالبية الساحقة في مزرعة الحيوانات لإسقاط السيد "جونز" المستبد، تماما مثلما توحد الليبيون بمختلف توجهاتهم في فبراير لإسقاط حكم الفرد المطلق الذي استمر لعقود، آملين في إقامة دولة القانون والمؤسسات وتوزيع الثروة بعدالة، غير أن مسار الأحداث سرعان ما انحرف عن الخط المأمول، لتبرز من بين صفوف الثوار أنفسهم شخصيات "الخنازير" التي استأثرت بالتوجيه والإدارة بحجة وعيها الفائق، لتبدأ مرحلة الهيمنة المبطنة تحت شعار براق مفاده أن "كل الحيوانات متساوية" لكن مع استيلاء الخنازير على السلطة وتغيير القوانين تدريجيا لخدمة مصالحهم، تم تعديل الشعار في النهاية ليصبح: "كل الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر تساويا من غيرها"، هذا الشعار نجده متجسدا اليوم في أروقة المشهد السياسي الليبي، حيث تتحكم نخب وعائلات وكيانات مسلحة في مصير الثروة والقرار لمجرد انتمائها لعائلة معينة أو مدينة معينة، بينما يترك المواطن يصارع تآكل دخله وانهيار عملته وتدهور الخدمات الأساسية من صحة وتعليم، وكأن ثروات البلاد قد وجدت لخدمة طبقة جديدة من المستفيدين الذين استبدلوا شعارات النضال بامتيازات النفوذ والجاه والسلطة. 

ولا يمكن لأي قراءة موضوعية للواقع الليبي أن تتجاهل صراع القيادات الفاسدة التي تصدرت المشهد بدعوى حماية الثورة، تماما مثل الصراع المحتدم في الرواية بين الخنزير "نابليون" ومنافسه "سنوبول"، حيث استخدمت الشعارات الكبرى والاتهامات المتبادلة بالخيانة والعمالة غطاء لتصفية الحسابات السياسية أو تقاسم النفوذ ومقدرات الدولة، بعيدا عن أي اعتبار لمصلحة الوطن والمواطن.

لقد أدمن هؤلاء صناعة الأزمات وإطالة أمدها لأن بقاء الفوضى هو الضمان الوحيد لاستمرار مكاسبهم غير المشروعة، فصاروا يديرون الصراع كشبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها الأجندات الداخلية والخارجية، تماما كما استعان نابليون بكلاب الحراسة الشرسة لإرهاب المخالفين وتكميم الأفواه، فنرى في ليبيا كيف توظف الأدوات الأمنية والإعلامية والمالية لتدجين المجتمع وإسقاط أي صوت حقيقي ينادي بالإصلاح أو يحارب الفساد المستشري في قطاعات الإنفاق العام. 

لكن وسط هذه اللوحة القاتمة من الخذلان والتشويه، تبرز في الواقع الليبي -كما في الرواية- شخصيات ناصعة البياض، لم تقد الثورة ولم تشارك في الفساد، لكنها ظلت وفية للمبادئ السامية التي خرج من أجلها الملايين، متمثلة في رمزية الحصان الوفي "بوكسر"، هذا الحصان الذي شارك في الثورة بعرق جبينه وظل مؤمنا بأهدافها حتى آخر رمق، رغم أنه كان يرى بوضوح تراجع وعود رفاق الأمس وفساد الطبقة الحاكمة وانحرافها عن المسار، لكن ظل يكرر عباراته البسيطة مثل "سأعمل بجهد أكبر" و"نابليون دائما على حق" في تناغم مأساوي يعكس الطيبة المفرطة والبراءة السياسية، غير مدرك أن تضحياته الجسيمة لم تكن سوى سلم تصعد عليه الخنازير لتثبيت أركان حكمها، قبل أن يتم التخلص منه في النهاية وبيعه بثمن بخس عندما انخفضت إنتاجيته.

إن الكثير من أبناء الشعب الليبي اليوم يمثلون طيف "بوكسر" بكل ملامحه الإنسانية الصادقة؛ فهم العمال والموظفون والمتقاعدون والبسطاء الذين يقفون طوابير أمام المصارف، ويتحملون أعباء الغلاء والانهيار المعيشي بصمت، مستمرين في أداء واجباتهم والإيمان بحق بلدهم في العيش الكريم، رغم شعورهم العميق بالغدر والخيانة من قبل طبقة سياسية فاسدة استأثرت بالغنيمة وتركتهم لحتفهم الاقتصادي والاجتماعي، هؤلاء الصادقون لا يزال يحدوهم الأمل في أن تشرق شمس الحقيقة على مزرعة الوطن، وأن تدرك الذاكرة الوطنية أن التضحيات الحقيقية صاغها البسطاء لا المنتفعون.

إن إسقاطات رواية مزرعة الحيوانات على المشهد الليبي ليست مجرد مقاربة عابرة، بل هي تشخيص سيكولوجي وسياسي لشهوة السلطة حين تتجرد من الأخلاق، وتتحول الثورات من مشاريع نهضة وطنية إلى غنائم تتقاسمها ذئاب الداخل والخارج، وما لم يتم إدراك خطورة هذه التراكمات والشروع في معالجة وطنية جادة ترتكز على إقرار منظومة عادلة ومحاربة الفساد المالي والإداري وإعادة الاعتبار لقيم العدالة الاجتماعية، فإن المزرعة ستظل تدور في ذات الحلقة المفرغة، وتبقى أسئلة التغيير معلقة في انتظار جيل واع لا يكرر أخطاء الماضي ولا يمنح ثقته لمن لا يستحقها.

ويبقى الدرس الأعمق في حاجتنا الملحة لإيجاد سبيل ثالث يقع بين سذاجة وجهل "بوكسر" الذي كرس جهده لخدمة الطغاة رغم نقاء سريرته وحسن نيته، وبين سلبية "بينجامين" الحمار الحكيم الذي اختار الصمت والانسحاب مفضلا اليأس والحياد لعدم إيمانه بقدرة المجتمع على التغيير؛ فالتغيير الحقيقي لا يصنعه الطيبون المخدوعون وحدهم بحماسهم الأعمى، ولا يجلبه المتفرجون اليائسون الذين لا يرون في الأفق سوى الخراب، بل يصنعه وعي وطني يجمع بين صدق النية وصلابة الموقف وحكمة البصيرة الناقدة.