السياسي

في ليبيا الجميع يتفاوض والجميع يستعد للحرب !

في ليبيا الجميع يتفاوض والجميع يستعد للحرب !

في ليبيا الجميع يتفاوض والجميع يستعد للحرب !

 

في ظل ما يشغل بال المواطن الليبي المنهك من غلاء أسعار وارتفاع تكاليف معيشة وتآكل مدخرات، مضافا إليه ضعف في الخدمات وشح في الوقود وانقطاع في الكهرباء وتأخر في الدراسة واعتصامات وإغلاقات للمستشفيات والمرافق الصحية العامة، وكأن هذه وغيرها ليست كافية لتحويل حياته إلى جحيم من التفكير الدائم في الأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، تظهر عليه أخبار من هنا وهناك عن تحشيدات وتحركات عسكرية وحالات طوارئ ومعسكرات تفتح وألقاب تطلق وأموال تنفق على هذا المليشياوي وذاك، ما يزيد من معاناته، ففوق تفكيره في توفير لقمة العيش الكريم لعائلته، قد ينشغل قريبا في حمايتهم، وتوفير الأمن لهم إذا اشتعلت الحرب.

في ظل الوضع المعيشي المتفجر، تتوالى الأنباء عن تحشيدات وتحركات عسكرية تنذر باحتمالات مواجهة جديدة، فقد أعلنت مصادر مقربة من قوات حفتر عن حالة طوارئ ورفع مستوى الجاهزية العسكرية في جميع القواعد، تنفيذا لتعليمات "نائب القائد العام" صدام حفتر، دون إبداء أسباب واضحة، وتزامنت هذه التقارير مع صور تظهر تحرك آلاف المركبات العسكرية في مناطق قريبة من بنغازي وسرت، وسط تكهنات بأن هذه التحركات قد تكون تحضيرا لهجوم محتمل على مصراتة أو طرابلس.

وقد عززت حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا انتشارها العسكري والأمني في طرابلس، بالتزامن مع اتساع نطاق المظاهرات والتحركات "المدنية" المناوئة لها، ووصلت أرتال مسلحة إلى طرابلس قادمة من مصراتة، في خطوة تعكس حجم الاستنفار العسكري الجاري. 

كما تتوالى الأنباء عن قافلة عسكرية روسية وصلت إلى طبرق مؤخرا، تضم عددا هائلا من الآليات والأسلحة والتجهيزات العسكرية، في ظل صمت تام من حكومة شرق ليبيا، وبحسب صور أقمار اصطناعية وتحليلات استخباراتية، ضمت القافلة ثلاث سفن روسية محملة بتجهيزات ضخمة، وسط تكهنات حول ما إذا كانت أراضي شرق ليبيا ستصبح بديلا لقواعد روسيا السابقة في سوريا، وخاصة قاعدة طرطوس وقاعدة حميميم.

وبينما يحاول بعض المقربين من قوات حفتر التقليل من أهمية الحديث عن توسع روسي، واصفين ذلك بـ"التهويل الإعلامي"، إلا أن الاهتمام الأوروبي المتزايد بالوجود العسكري الروسي في ليبيا يشير إلى أن الأمر يتجاوز مجرد التكهنات.

في المقابل، يعزز الأتراك مواقعهم في القواعد التي يسيطرون عليها في غرب ليبيا، وقد مدد البرلمان التركي مؤخرا مهمة القوات المسلحة التركية في ليبيا لمدة 24 شهرا، والأمر الأكثر إثارة للجدل هو استمرار وجود المقاتلين السوريين الذين جلبتهم تركيا عام 2020، والذين ما زالوا في معسكراتهم في طرابلس ولم يعودوا إلى بلدهم حتى بعد تحريرها.

وقد تغيرت طبيعة وجود هؤلاء المقاتلين مع انحسار الحرب الواسعة، إذ تشير تقارير موثقة إلى وجود مجموعات منهم داخل معسكرات ومقار أمنية في العاصمة طرابلس، حيث تحولت مهامهم من القتال إلى الحراسة وتأمين المواقع، وهذا يطرح تساؤلات مشروعة: هل هناك حاجة فعلية، ولو مستقبلية، إلى استمرار وجودهم؟ أم أنهم أصبحوا ورقة ضغط في يد أنقرة لاستخدامها في أي ترتيبات سياسية مقبلة؟ 

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت صور في طرابلس لقادة مجموعات مسلحة مناوئة للحكومة، على رأس هؤلاء، هيثم التاجوري، القيادي البارز في طرابلس، الذي بدل ولاءه لشرق ليبيا وحصل على المال والوعود من حكام الشرق بتمكينه إذا ما تمكنوا، وقد عاد للواجهة مؤخرا كطرف يتبع حفتر، بمركبات عليها شعار "كتيبة 87 التدخل السريع" التي تدرب عناصرها في بنغازي وبيلاروسيا تحت إشراف حفتر.

كما ظهر أسامة طليش، القيادي السابق في قوات غنيوة الككلي، في طرابلس مؤخرا، حيث يقال إنه شكل كتيبة عسكرية جديدة من فلول قوات الككلي، وأنه حصل على دعم ووعود من عائلة حفتر، وقد وصفت عودته بأنها تحد واضح للدبيبة، خاصة أنه عاد تحت حماية جهاز الردع.

وهنا تدور الكثير من الأسئلة التي تبحث عن إجابات: لماذا يدعم صدام حفتر كل هؤلاء المنشقين عن حكومة طرابلس، ثم يجلس معها ويفاوضها ويشكل اللجان معها لتوحيد المؤسسة العسكرية ويخوض معها التمرينات العسكرية المشتركة تحت راية أمريكا؟

ولماذا يدعم صدام حفتر الاتفاق السياسي ما دام يؤمن بالحل العسكري؟ أم أن الاتفاق السياسي مجرد تلهية حتى يهيئ لنفسه الوضع لشن ضربة عسكرية تمكنه من حكم طرابلس الذي طالما حلم به والده؟ أم أن التشكيلات المسلحة التي يدعمها ويدرب عناصرها ويغدق على قادتها بالأموال هي مجرد خطة احتياطية في حال فشل في الوصول إلى السلطة عبر القوة الناعمة للمفاوضات؟

ثم هل هيثم التاجوري وأسامة طليش ومن على شاكلتهم جادون في اعتقادهم أن بإمكانهم القضاء على الحكومة والسيطرة على طرابلس؟ هل يظن هؤلاء أنهم فعلا يملكون القدرة على القضاء على القوة العسكرية الضخمة لمصراته ومن سيتحالف معها إذا فكروا في شن هجوم على طرابلس تحت راية حفتر؟ أم أنهم فقط يحلبون البقرة الحلوب التي تغدق الأموال على منافسي الحكومة وسيختفون ساعة الجد؟ أم أنهم بهذه المواقف يعرضون أنفسهم على الحكومة لتدفع أكثر من خصمها وتعيدهم إلى حضنها على مبدأ المثل القائل "كلب ينبح معاك خير من كلب ينبح عليك"؟

فهم يعلمون أن فرصة بقائهم وثرائهم مع حكومة طرابلس أكبر بكثير من فرصة بقائهم مع عائلة حفتر التي ستنقلب عليهم لا محالة في أول فرصة تتاح لها للتخلص منهم، أولا بسبب تاريخهم المليء بتغيير الولاءات، وثانيا لأن العائلة تريد جيشا يدين لها بالولاء ولا يتحرك إلا بأمرها، لا قوة مساندة ترى في نفسها سلطة موازية وتعطي لنفسها شرعية السلطة لأنها ترى أنها اكتسبتها واستحقتها.

إن المشهد الليبي اليوم يبدو وكأنه مسرح تدور فيه أحداث متناقضة؛ حكومة تعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، وقوى عسكرية تتنافس على النفوذ والسلطة، وقوى إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها على الأرض الليبية، والمواطن الليبي، الذي أنهكته سنوات الصراع، يجد نفسه محاصرا بين أزمات معيشية لا تنتهي، وشبح حرب جديدة تلوح في الأفق.

وتبقى الأسئلة الكبرى معلقة: هل ستنجح المساعي الدولية والإقليمية في توحيد المؤسسة العسكرية وإخراج ليبيا من نفق الأزمة؟ أم أن التناقضات العميقة بين الفرقاء، وازدواجية الخطاب بين المفاوضات والتحشيد، ستقود البلاد إلى جولة جديدة من العنف؟ وهل سيدرك صناع القرار في الشرق والغرب أن استقرار ليبيا لا يمكن أن يتحقق إلا بمعالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها معاناة المواطن الذي لم يعد يتحمل المزيد؟

إن أي حل حقيقي في ليبيا يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطن الليبي، والاعتراف بحقه في كهرباء لا تنقطع، ووقود متوفر، وخدمات صحية وتعليمية لائقة، وأمن نفسي واجتماعي واقتصادي، فبدون ذلك، ستبقى كل الاتفاقات والتفاهمات مجرد حبر على ورق، وسنظل ندور في حلقة مفرغة من الأزمات التي لا تنتهي.