السياسي

ماذا بعد آخر برميل في ليبيا؟

ماذا بعد آخر برميل في ليبيا؟

ماذا بعد آخر برميل في ليبيا؟

 

تعوم ليبيا على بحيرة من النفط، وتتمتع بخيرات وموارد لم تبذل هي ولا شعبها جهدا يذكر للحصول عليها، بل تملك فقط رفاهية إنفاقها وتبديدها بلا رؤية ولا مشروع تنموي قادر على الصعود بالبلاد وإيجاد موطئ قدم لها بين الأمم، أو إنقاذها من السقوط الحتمي حال انهيار أسعار النفط أو توقف الاعتماد العالمي عليه.

وفي هذا الصدد، تقدم التجربة التاريخية لجزيرة "ناورو" في المحيط الهادئ إحدى أكثر العبر قسوة في التاريخ الاقتصادي الحديث؛ إذ تبين كيف يمكن للثروة الطبيعية المفاجئة، حين تدار بعقلية استهلاكية وتجرد من الرؤية التنموية الشاملة، أن تتحول من نعمة واعدة إلى كابوس يقضي على حاضر الدولة ومستقبل أجيالها، وعند إسقاط هذه التجربة على الواقع الليبي، تبرز مؤشرات تحذيرية تعكس تشابها هيكليا في نمط الاعتماد الكلي على مورد أحادي قابل للنفاذ. 

في منتصف القرن العشرين، وجد سكان ناورو أنفسهم يجلسون على أنقى احتياطيات الفوسفات في العالم، وبحلول السبعينيات سجلت الجزيرة أعلى معدل دخل للفرد عالميا متجاوزة كبرى القوى الاقتصادية، ليعيش أبناء الجزيرة في رفاه غير مسبوق، ولتصبح الجزيرة عبارة عن تجمع كبير للـأثرياء، غير أن هذا الثراء السريع أسس لما يعرف اقتصاديا بـ "فخ الرفاه الكاذب"، وبدلا من توجيه العوائد الضخمة نحو بناء اقتصاد متنوع، يجهز الدولة لمرحلة ما بعد الفوسفات؛ اندفعت الدولة نحو حلول مريحة تتلخص في توظيف جميع المواطنين في القطاع العام برواتب عالية دون إنتاجية حقيقية، مع تقديم دعم مطلق وتكفل تام بمتطلبات الحياة، فعاش المواطنون في رفاهية زائفة واصلت الحكومة تغذيتها والإنفاق عليها، بالتوازي مع خوض مغامرات استثمارية خارجية فاشلة شابها الفساد وسوء الإدارة.

ومع حلول التسعينيات وقعت الكارثة المحتومة ونفد الفوسفات بالكامل، ولم تكن النتيجة مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحولت غالبية مساحة الجزيرة إلى أرض صخرية قاحلة غير صالحة للزراعة، وأفلست الدولة تماما لتجد نفسها مضطرة للعيش على المعونات الخارجية، وتأسيس بنوك مشبوهة لاستدراج الشركات الوهمية لكبار المجرمين والمهربين كملاذ آمن لأموالهم مقابل عوائد مالية لتسيير السلطة، قبل أن تنتهي بها الحال إلى تأجير أراضيها كمراكز احتجاز نائية تستخدمها أستراليا ونيوزيلندا لاحتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء.

تعرف هذه الظاهرة في الأدبيات الاقتصادية بـ "لعنة الموارد"، وتحدث عندما تعتمد الدولة بشكل كلي على مورد خام، مما يؤدي إلى تهميش القطاعات الإنتاجية وتضخم القطاع العام، وخلق وهم بالرفاهية يتهاوى فور تراجع الأسعار أو نفاذ المخزون. 

وعلى الرغم من الاختلاف الشاسع في المساحة والجغرافيا بين ناورو وليبيا، إلا أن المحركات الاقتصادية المشغلة للبلدين تتشابه بصورة تدعو للقلق؛ ففي الحالتين نجد اعتمادا تاما على مورد طبيعي وحيد، ونمطا ريعيا قائما على التضخم المفرط في مرتبات القطاع العام، والاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، وغياب أي رؤية تنموية قابلة للتطبيق، فضلا عن استثمارات ومغامرات خارجية باءت بالفشل، واستنزاف للموارد الطبيعية والبيئية.

وإذا كان انكسار ناورو قد حدث بالنفاذ المادي للفوسفات، فإن نقطة الانكسار المتوقعة في النموذج الليبي تتمثل في تراجع أسعار النفط أو تحول العالم المتسارع نحو الطاقة النظيفة، ولعل القول بأن هذا التحول ما زال بعيدا يعد رؤية مجافية للواقع، خاصة مع تزايد الدعوات لتقليل الانبعاثات الكربونية، والتزايد المطرد لحالات التطرف المناخي من أعاصير وذوبان للجليد وشح أمطار وارتفاع قياسي في درجات الحرارة. 

إن استمرار التعاطي مع النفط باعتباره ممرا لتمويل الاستهلاك اليومي المباشر بدلا من كونه رأس مال للتحول، يقود حتما نحو الارتهان لتقلبات الأسواق العالمية، تليها صدمة فجائية جراء هبوط الطلب العالمي، لتنتهي بالانكشاف الكامل وعجز الدولة عن تغطية فاتورة الاستيراد الغذائي والطبي، وتدهور الخدمات كالمياه والكهرباء، ثم الإفلاس والسقوط الذي قد يعيد خيار الهجرة الاضطرارية التي كتبت على عشرات الآلاف من الليبيين خلال مواسم الجفاف في أربعينيات القرن الماضي، فالثروة المدفونة في باطن الأرض لا تبني أمة متينة، بل ما يشيد فوقها من عقول ومؤسسات واقتصاد متنوع هو الحصن المنيع ضد تقلبات الزمان.

لحسن الحظ، لا تعاني ليبيا من الموانع المادية والجغرافية التي فرضت على ناورو مصيرها المحتوم، فالجغرافيا والتضاريس الليبية تمتلك المقومات الكفيلة بإحداث تحول اقتصادي جذري إذا ما وجدت الإرادة والتخطيط؛ بدءا من استغلال الموقع الجيو-استراتيجي بين أفريقيا وأوروبا لتطوير تجارة الترانزيت والموانئ، مرورا باستثمار الحزام الشمسي للطاقة المتجددة والشريط الساحلي للاقتصاد الأزرق، وصولا إلى تحويل عوائد النفط الحالية نحو تعليم حديث لتأهيل كوادر قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة. 

إن الدرس الذي تقدمه ناورو ليس مجرد حكاية من أقصى الأرض يستأنس بها في كتب التاريخ، بل هو مرآة مبكرة لمستقبل ينتظرنا إن أصررنا على استسهال أكل بذور الشجرة بدلا من غرسها، فالتاريخ لا يجامل أحدا، والنفط سينتهي أو تنتهي الحاجة إليه لا محالة، ويبقى الرهان الحقيقي مرهونا بما ننفقه اليوم على صناعة الإنسان وبناء المؤسسات؛ إما أن نلتقط الفرصة الآن ونحن نملك خيارها، أو ننظر غدا إلى آبارنا الجافة كما نظر أهل ناورو إلى صخورهم الصامتة، فلن ينفع حينها البكاء على ثروة أهدرت في بيع الوهم وتسديد فواتير الرفاه الزائف.