كارتيلات العبور: هل تحولت ليبيا إلى عاصمة الكوكايين العابر للقارات؟
تحت السطح الهادئ للاضطرابات السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تعيشها ليبيا، يتبلور مشهد مرعب يعيد رسم خريطة النفوذ والجريمة المنظمة في شمال أفريقيا وفي المنطقة ككل، حيث لم تعد البلاد مجرد مسرح للصراع على السلطة أو ممر للهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، بل تحولت فجأة إلى "نقطة ارتكاز" محورية لأخطر تجارة في العالم، الكوكايين عابر القارات.
التقارير المتلاحقة من وكالات إنفاذ القانون الدولية تدق ناقوس الخطر؛ فقبل فترة وجيزة، أحبطت السلطات الإسبانية شحنات ضخمة جدا من الكوكايين كانت متجهة إلى ليبيا، وتلتها سلطات النيجر التي ضبطت مئات الكيلوجرامات من الكوكايين النقي في عمق الصحراء وهي متجهة مباشرة إلى الحدود الليبية، ولم يتوقف الأمر عند الحدود البرية، بل أعلنت جارتنا مالطا عن ضبط شحنات قياسية (منها ضبطية بلغت 612 كيلوجراما بقيمة تقارب 69 مليون يورو، وأخرى حديثة بلغت 113 كيلوجراما قادمة من كوستاريكا) كانت كلها مخبأة في حاويات متجهة إلى الموانئ الليبية.
هذه السلسلة من الضربات المتتالية لا تكشف فقط عن يقظة دولية، بل تفضح حقيقة أكثر قتامة هي حجم التدفقات المرعبة التي تتدفق نحو الأراضي الليبية من المصدر الرئيس للكوكايين في أمريكا الجنوبية، عبر دول غرب ووسط أفريقيا أو عبر المحيط الأطلسي وصولا إلى البحر المتوسط، ثم إلى حدود وموانئ ليبيا التي يبدو أنها تحولت إلى مركز الترانزيت وإعادة التدوير نحو أوروبا والشرق الأوسط ربما!
والسؤال الأول والمنطقي الذي يفرض نفسه أمام هذه الأرقام المهولة: من المستهلك؟
إذا نظرنا إلى طبيعة السوق الليبية المحلية، ومهما بلغت معدلات التعاطي والإدمان الداخلي بين الشباب نتيجة الإحباط والحروب، فإن القدرة الاستيعابية للسوق الليبي والقوة الشرائية المحلية لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تستهلك شحنات تقاس بالأطنان أو مئات الكيلوجرامات من مادة باهظة الثمن كالكوكايين.
الإجابة المباشرة التي تؤكدها تقارير "الإنتربول" هي أن ليبيا تحولت إلى "دولة عبور"، فالكوكايين لا يأتي ليبقى، بل ليعاد شحنه وتصديره إلى السوق الأوروبية الغنية، أو توجيهه شرقا نحو دول الخليج والشرق الأوسط.
إن غياب الرقابة المركزية، وتشرذم المؤسسات الأمنية، ووجود سواحل ممتدة على البحر المتوسط وحدود برية شاسعة غير محروسة في الجنوب، جعل من ليبيا المنطقة الحرة المثالية لكارتيلات المخدرات العالمية (اللاتينية والأوروبية) بالتعاون مع شبكات محلية.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن شبكات الفساد وسرقة المال العام المنتشرة في البلاد بشكل غير مسبوق، وهنا يبرز التساؤل الأخطر: هل عصابات تهريب النفط والوقود هي ذاتها التي تدير قنوات الكوكايين؟
المعطيات على الأرض تشير إلى ترابط وثيق، فعصابات تهريب الوقود المدعوم والنفط الليبي تمتلك بالأساس خطوط إمداد لوجستية مجربة وآمنة (برية وبحرية)، وتمتلك شبكات علاقات دولية ومعرفة بالمسالك البحرية نحو أوروبا والبرية نحو أفريقيا، والأهم من ذلك؛ الحاجة إلى غسيل الأموال.
الأموال الضخمة الناتجة عن سرقة النفط والاعتمادات المستندية الوهمية تحتاج إلى دورة اقتصادية خفية لإعادة تدويرها، وتجارة المخدرات تمثل بيئة خصبة لتبادل السيولة وتوليد أرباح مضاعفة، مما يعني أننا أمام "تحالف مافيوزي" دمج بين تهريب ثروات البلاد وبين استيراد سموم العالم، والمستورد المتنفذ هو الذي يملك هذا الكيس المالي اللامتناهي؟
إن دخول هذه الكميات الضخمة من المخدرات عبر الموانئ والمنافذ الرسمية، أو حركتها بحرية عبر الحدود البرية، ينسف فرضية أننا أمام "مهربين عاديين" أو تجار تجزئة، فالمهرب التقليدي سينكسر ظهره المالي وتتبدد ثروته إذا صادرت الدول شحنة واحدة قيمتها عشرات الملايين من الدولارات.
لكن ما نراه في الحالة الليبية هو سلوك "الكارتيل المتنفذ"؛ تصادر إسبانيا بضاعته، فلا يتردد في إرسال شحنة أخرى عبر النيجر، وعندما تضبطها النيجر، يحرك شحنة ثالثة عبر مالطا، ولسان حاله يقول "الخسارة مجرد تكلفة تشغيلية محسوبة".
هذا الإصرار اللامحدود والقدرة على تحمل خسائر فادحة دون التوقف للحظة، يوحي بوضوح بأن المستورد الحقيقي هو شخص (أو شبكة) يتمتع بنفوذ سياسي أو عسكري مطلق داخل الدولة، ويمتلك غطاء يحميه من المساءلة المحلية، مستندا إلى خزائن مالية متخمة بالمال العام المنهوب أو بأموال عمليات التهريب الأخرى، إنها شخصيات تمتلك حصانة الأمر الواقع، وتتعامل مع موانئ ومطارات البلاد وكأنها ملكية خاصة.
وإذا كانت هذه التجارة قد انتعشت سابقا عبر إغراق البلاد بحبوب "الكبتاجون" القادمة من موانئ النظام السوري السابق لتمويل شبكات معينة، فإن الانتقال إلى الكوكايين يمثل قفزة نوعية في مستوى الإجرام والتمويل.
وهنا يبقى السؤال الأكثر رعبا، والذي يجب أن يقلق الليبيين والمجتمع الدولي على حد سواء؛ إذا كان هذا هو حجم الكميات الهائلة الذي نجحت السلطات الدولية في ضبطه خارج ليبيا، فكم هي كمية الشحنات الضخمة التي نجحت بالفعل في الدخول، وعبرت الحدود، ونُقلت، وبيعت دون أن يرصدها أحد؟
الواقع يخبرنا أنه في علم مكافحة المخدرات أن ما يتم ضبطه لا يتجاوز عادة 10% إلى 15% من حجم التجارة الفعلي، وإذا كان الأمر كذلك، فإن ليبيا لا تواجه مجرد أزمة سياسية، بل تواجه خطر التحول الكامل إلى "دولة كارتيل"، يحكمها رجال لا يقلون خطرا عن بابلو إسكوبار، وهو بالمناسبة كان "يتصدق" كثيرا بأمواله، ويساعد الفقراء والمحتاجين !