حين تتجلى إحدى المفارقات الليبية المؤلمة: نظام سجل مدني قوي في جوهره، لا يستطيع حماية نفسه من أولئك الذين وكل إليهم حراسته.
يتحدث الليبيون كثيرا عن الهوية والانتماء، ويحفظ عنهم كرم الضيافة وانفتاح الدار و(رباية الدايح)، لكنهم أمام اختبار لم يتوقعوه، فمن كريم يفتح بيته لجاره، إلى غريب عن داره بعد أن احتلها جاره! هذه ليست استعارة أدبية بل هي توصيف قريب لواقع اختراق منظومة الهوية الوطنية في ليبيا، حيث تحولت سجلات الأحوال المدنية وأرقام المواطنين إلى سلعة متداولة في السوق الموازية للفساد، وحيث يأتي الأجنبي طالبا للعمل والمأوى، ثم يتحول إلى شريك في الوطن بتواطؤ موظف أو جشع رب عائلة.
ووسط هذا المشهد تتصاعد أسئلة حرجة: لماذا يتسع نطاق التزوير كل يوم رغم صلابة النظام التقني والأصل الورقي التاريخي؟ وهل تعد هذه "التعديات السطحية" كما يراها البعض، أم أنها تمهيد لتغيير ديموغرافي مقصود؟ وما دور القوانين والإرادة السياسية في فتح الأبواب الموصدة أو تركها على مصاريعها؟
الجذور: قرمة صلبة ونظام إداري مفتت
لا يمكن فهم حجم الكارثة الحالية دون فهم متانة النظام الأصلي الذي تم اختراقه، حيث يقول خبراء في السجل المدني إن أساس القيد الأسري في ليبيا يعود إلى استمارة التنظيم المعتمدة منذ 1968، وبعضهم يذهب أبعد من ذلك ويقول إن الأصل هو أول تعداد سكان أجري بعد الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي، وهي ما تمثل "القرمة" أو الأصل المحصن للهوية الليبية، هذا السجل الذي حرمت بسببه عائلات ليبية من الجنسية، أو ظلت لعقود تعيش تحت وصمة (العائدون) لمجرد أن أجدادهم كانوا غائبين في فترة إجراء التعداد، أو أنهم –لأي سبب من الأسباب- أهملوا تعبئة الاستمارات.
هذه الاستمارات، المُستقاة من سجلات تعدادية تاريخية، تعد المرجعية الحقيقية التي لا يجوز المساس بها، ويتم حفظها بعيدا عن التداول اليومي الذي يجرى على نموذج المستخدم للعمليات الحياتية كالزواج والطلاق والولادة والوفاة، هذا التمييز بين الأصل الثابت (القرمة) والنسخة العاملة هو ما حافظ على سلامة النظام لعقود.
لكن هذا الصرح المتين بدأ يتعرض للتصدع خاصة في الفترة اللاحقة لعام 2011، وأحد أبرز أسباب ذلك، كما يروي (علي سويسي) "اسم مستعار" وهو موظف في السجل المدني يعمل منذ 2014، هو "التوسع غير المدروس في إنشاء مكاتب فرعية للسجل المدني"، هذا التوسع، الذي كان يهدف نظريا إلى تقريب الخدمة من المواطن، تحول في الممارسة إلى نقطة ضعف.
يقول علي: "فتح مكاتب جديدة يعني الحاجة إلى موظفين جدد، وتم التعيين في كثير من الأحيان بدون تدقيق شامل، ودخلت العناصر الضعيفة أو المستعدة للانحراف إلى قلب المنظومة"، ويؤكد أنه في زمن المركزية، كانت عمليات التزوير "نادرة الحدوث أو شبه معدومة".
هذا الرأي يحظى بمصداقية عملية في ضوء ما تكشفه التحقيقات الرسمية الشاملة، فبعد أن أمر النائب العام بإجراء مراجعة واسعة، تم الكشف عن آلاف الحالات المشبوهة في أغلب المدن الليبية دون استثناء، وبلغت الذروة خلال عام 2025، ليس الأمر مجرد شكاوى، بل كشفت تحقيقات دقيقة النقاب عن أرقام مذهلة.
ورغم المصداقية الظاهرة لهذا الطرح إلا أن آخرين، من بينهم يونس "اسم مستعار" وهو موظف بالسجل المدني أيضا، يرى أن التوسع في إنشاء مكاتب السجل المدني في المناطق النائية هو سلاح ذو حدين، فكما أنه أضعف الرقابة المركزية الصارمة على السجلات المدنية، فقد أغلق –ولو جزئيا- بابا كبيرا للولوج لتزوير هذه السجلات.
يقول يونس إن آلاف المواطنين كانوا قد توفوا في السنوات والعقود الماضية ولم يتم التبليغ عنهم، ويصف الأمر بأنه بدأ أولا بحسن نية، إما للجهل بأهمية هذا الأمر، أو لبعد المسافات على مكاتب السجل المدني، ثم تحول لاحقا إلى مصدر للتربح بحيث أن العائلة تستمر في التمتع بالمزايا التي كان يحصل عليها المتوفى، ولاحقا ومع الإغراء المادي وضعف النفوس؛ بدأ هذا الأمر يتحول إلى سوق لتزوير الأرقام الوطنية وإدخال الأجانب إلى سجلات المواطنين ببيع الأرقام الوطنية الخاصة بهؤلاء الأشخاص المتوفين، الذين هم في نظر القانون مازالوا أحياء لأنه لم يبلغ عن وفاتهم.
هذا الأمر الذي طرحه يونس أكده منذ أيام مكتب النائب العام الذي أعلن القبض على مواطن باع بيانات ابنه المتوفى سنة 2001 لمزور أجنبي مقابل 10 آلاف دينار فقط، وأن هذا المزور تزوج وأنجب أربعة أبناء تحصلوا على أرقام وطنية وجوازات سفر وصرفت لهم كل المزايا والمنح المخصصة قانونا لليبيين.
هذه الحالة ليست فردية أو معزولة، آلاف الليبيين الذين توفوا في سنوات وعقود ماضية ولم يتم التبليغ عن وفاتهم، كم منهم انتهت بياناته بأيدي مزورين، وكم يعيش اليوم بيننا أحياء أموات؛ أحياء انتهكوا حرمة الموتى وسرقوا منهم أخص ما يميزهم؛ أسماءهم! وكم من بين هذه الحالات كان المنتهك الحقيقي لحرمة الميت أحد أفراد عائلته، الذي باع دينه وضميره وإنسانيته وقرابته بعرض من الدنيا قليل، قد لا يتجاوز –كما في الحالة التي أعلنها مكتب النائب العام- العشرة آلاف دينار!
حجم الظاهرة: أرقام مرعبة
يوضح الجدول التالي أمثلة على حجم العمليات التي تم الكشف عنها في عدد من المدن، جميعها من تحقيقات النيابة العامة خلال عام 2025:
12
وهذه ليست سوى غيض من فيض، فهي بيانات أعلن عنها مؤخرا لتحقيقات بدأت سنة 2025 وما زالت جارية حتى الآن، والإحصائيات الكلية تظهر صورة أكثر قتامة:
حيث أعلنت النيابة العامة عن فحص أكثر من 10,620 أسرة وتدقيق 6,990 حالة انتماء للأصل الليبي.
وتم حبس 68 متهما في قضايا تزوير واسعة، وشطب 291 رقما وطنيا في أولى مراحل عمليات التدقيق.
هناك أيضا إحصائيات سابقة تشير إلى وجود 88 ألف رقم وطني غير صحيح، و17,472 رقما استخدمت لاستخراج جوازات سفر، و8,690 شخصا يتقاضون مرتبات بأرقام وطنية مزورة.
بل إن تقديرات بعض الباحثين المختصين، مثل محمد السنوسي، في تصريح أدلى به لقناة ليبيا الأحرار، ترجح أن العدد الإجمالي للأرقام الوطنية المزورة قد يقارب 200 ألف رقم، وهي نسبة خطيرة مقارنة بعدد السكان.
وهذا الانتشار الجغرافي الواسع يؤكد أننا أمام ظاهرة منهجية تديرها شبكات منظمة، وليست مجرد حالات فردية معزولة، والمجتمع الليبي اليوم يعيش في حالة طوارئ هوية، حيث لم يعد المواطن يثق في جاره الذي يحمل نفس الرقم الوطني، ويتساءل الناس إذا كان الاختراق قد وصل بهذا الاتساع إلى واحدة من أكثر منظوماتهم أمانا؛ فما هو شأن باقي المنظومات؟ وهل بإمكاننا أن نثق بأن الدولة قادرة على حماية بياناتنا الشخصية؟ وهل المصارف قادرة على حماية حساباتنا المصرفية؟
آلية التزوير: إلحاق المعدوم بالمنعدم وتفاصيل الجريمة
تكشف طريقة العمل عن نمط يتكرر، وهو نمط يصفه الموظف يونس بأنه "سطحي" ولا يمس "القرمة" الأصلية، حيث تعتمد آلية التزوير على طريقتين رئيسيتين، وكلتاهما تتطلب تواطؤا من موظفين عموميين وأحيانا أفرادا من العائلة:
أولا: استغلال بيانات مواطنين متوفين دون ورثة، حيث يتم البحث عن مواطن متوف، خصوصا من ليس له ورثة معروفون، ثم إلحاق أشخاص أجانب به كأبناء أو أزواج في النموذج المستخدم، يقول الموظف علي سويسي "اسم مستعار": "هذه أمور تظهر مع أول تدقيق جدي"، مستدلا بما تم كشفه مؤخرا على نطاق واسع.
ثانيا: تحريف القيود العائلية الحقيقية، وهذا أقل من سابقه ويتم بإضافة أسماء أجانب إلى عائلات ليبية حقيقية كأبناء أو أزواج.
ويرجح المختصون أن معظم حالات التزوير هي من النوع الأول، وأنها تنقسم إلى نوعين هي الأخرى؛ الأول يكون بتآمر من موظف السجل المدني الذي يبيع بيانات مواطن متوف وليس له روثة معروفون (مقطوع من شجرة)، ويتحصل عليها أجنبي ينتحل شخصنة المتوفى وينتقل للعيش في إحدى المدن الكبيرة، ويصبح مواطنا بدلا عن مواطن متوف.
والنوع الآخر؛ وهو قيام أحد أفراد العائلة ببيع بيانات فرد متوف من نفس العائلة، لم يتم التبليغ عن وفاته في حينها، وهذه الحالة قد لا تتطلب أصلا اشتراك موظف السجل المدني في المؤامرة، فكل ما يحتاجه المزور هو دفع المال لضعاف النفوس واقتناء الرقم الوطني للمتوفى ورقم قيد العائلة ورقم ورقة العائلة وانتهى الأمر، هو مواطن وأبناؤه مواطنون.
الدافع المالي هو المحرك الرئيسي، ففي قضية الرجل الذي باع بيانات ابنه المتوفى سنة 2011؛ تقاضى الرجل 10 آلاف دينار من المزور، وفي قضية بالأصابعة، تلقت موظفة 17 ألف دينار مقابل تزوير ورقة عائلة مكنت 7 أجانب من الحصول على أرقام وطنية، وفي صرمان، حصل متهمون على 85 ألف دينار من منح مخصصة للأسر الليبية بين 2012 و2025 باستخدام أرقام مزورة، وفي بنغازي، دفع أجنبي 45 ألف دينار لمسؤول سابق في الأحوال المدنية للحصول على أرقام وطنية لعائلته.
ولكن لماذا يحصل هذا الانحراف في مؤسسة يفترض أنها مؤتمنة على حفظ الهوية الوطنية، وفي تفسير دوافع الانحراف تتباين آراء من عايشوا المؤسسة من الداخل والمواطنين العاديين.
• تحليل "نسور الجيفة"، يقدمه محمود الصادق "اسم مستعار"، وهو موظف سابق في السجل المدني، حيث يعرض تحليلا قاتما، ويرى أن "الظروف الاقتصادية الخانقة والانقسام السياسي الحاد" أنتجا جيلا من الموظفين وصفهم بـ"نسور الجيفة" داخل مؤسسات الدولة، يعتبرون الفساد وتقاضي الرشاوي مهارة وذكاء، هؤلاء، وفق روايته، اعتنقوا فلسفة أن "كل شيء للبيع، ولكل شيء ثمن"، وهو يرى أن هذه العمليات "لا يمكن أن تمس الهوية الليبية في الصميم لأنها سطحية ويسهل كشفها بمجرد وجود إرادة حقيقية".
• نظرية "المؤامرة الديموغرافية": هذا الطرح الفردي للجريمة يرفضه عادل (مواطن – 42 سنة) ويعتبره شطحا من الخيال، وأن لا أحد يريد أن "يشاركنا البؤس في بلدنا البائس"، وأن معظم القادمين إلى ليبيا يرونها محطة لجمع المال قبل التوجه إلى أوروبا لحياة أفضل، ولكن عددا كبيرا من المواطنين، من بينهم عبد الله (60 سنة) يجمعون على أن ما يحدث هو "عملية ممنهجة تمهد لتغيير ديموغرافي واسع النطاق"، ويرون في تسلل أجانب للحصول على هوية وطنية وجواز سفر، مؤشرا على خطة إحلال طويلة الأمد.
بين هذين الرأيين يقف أحمد (مواطن- 50 سنة) الذي يعتقد أن الأمر لا يرتقي إلى مستوى "مؤامرة كبرى"، بقدر ما هو نتيجة لـ"أطماع فردية لموظفين فاسدين"، مدعومة ببيئة حاضنة للفساد سمحت للجريمة أن تزدهر.
الثغرات القانونية: لوائح قديمة لا تساير العصر وبنية تشريعية مهترئة
البيئة الخصبة للفساد لا تقتصر على الوضع السياسي والاقتصادي، بل هي معززة بفراغ تشريعي تاريخي، حيث يكمن أحد أسباب استمرار المشكلة –وغيرها من المشاكل- في فجوة بين جسامة الفعل وصرامة العقوبة، وفي بنية قانونية مهترئة تعود معظم التشريعات فيها إلى السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
13
والآثار الناتجة عن ذلك كبيرة وكثيرة، وتشمل اختراق السيادة واستنزاف الدولة وإنهاء ثقة المواطن في مؤسساته، فهذا التزوير ليس جريمة إدارية فحسب، بل هو اعتداء على سيادة الدولة، وله تداعيات خطيرة تهدد كيان ليبيا.
أخطار وتداعيات تزوير الأرقام الوطنية
- التمتع الكامل بحقوق المواطنة: يحصل الأجنبي على رقم وطني يمكنه من استخراج جواز سفر ليبي، والتوظيف في القطاع العام، وتقاضي مرتبات ومنح اجتماعية مخصصة للمواطنين، وهذا استنزاف صارخ للمال العام، حيث تم صرف أكثر من 1.1 مليون دينار في قضية واحدة لصالح أشخاص باستخدام أرقام مزورة، تقول أم عادل، مواطنة تبلغ من العمر 60 عاما، إنها تتقاضى معاشا قدره 650 دينارا شهريا من صندوق التضامن الاجتماعي، وهو مبلغ لا يغطي حتى قيمة إيجار المسكن الذي تقيم فيه، بينما يحصل "ابن المزور" على راتب حكومي، وأحيانا يترقى في المنصب ويحصل على منحة سكن وعلاوات أخرى، وهي ترى في ذلك سخرية قاتلة من كلمة "العدالة الاجتماعية" التي يقوم عليها الصندوق الذي تتقاضى منه مرتبها.
- تزوير الإرادة الشعبية: يحذر مراقبون، بما في ذلك النائب العام نفسه، من أن استمرار هذا النزيف يهدد نزاهة أي عملية انتخابية مستقبلية، حيث يمكن التصويت بأرقام وطنية مزورة، ويقول الباحث القانوني عمران "اسم مستعار": "كيف يمكن لدولة أن تقيم ديمقراطية على أساس سجل ناخبين ملوث؟ الانتخابات تصبح مسرحية، والنتائج تعكس قوة شبكات التزوير وليس اختيار الشعب"، وما طرحه عمران يجد صداه عند شريحة كبيرة من الليبيين تستذكر قيام عدد من رجال الدولة في المملكة الليبية في خمسينيات القرن الماضي باستجلاب الآلاف من ذوي الأصول الليبية من دول المهجر، ومنحهم الجنسية الليبية ووعود السكن والعمل والرفاهية لغرض الحصول على أصواتهم في الانتخابات.
- تشويه التخطيط الوطني: كيف يمكن للدولة أن تخطط للتعليم والصحة والاقتصاد إذا كانت بياناتها السكانية الأساسية مغلوطة؟ مصرف ليبيا المركزي نفسه انتقد عدم دقة عدد السكان البالغ 8.7 مليون، مؤكدا أنها "لا تعكس الرقم الحقيقي" مقارنة بمنظومة السجل المدني المشوهة.
- تهديد الأمن القومي: كما يحذر الباحث محمد السنوسي في تصريحات أدلى بها لقناة ليبيا الأحرار، فإن وصول جهات غير مخولة إلى قاعدة البيانات الوطنية يهدد الأمن القومي، خاصة وأن هذه البيانات مرتبطة بالتمويل والعقارات وغيرها، ويمكن لهذه الهويات المزورة أن تكون غطاء للتهريب، أو التسلل الأمني والمخابراتي، أو حتى لتمويل عمليات غير مشروعة تحت غطاء قانوني وهمي.
- تمزيق النسيج الاجتماعي: يزرع هذا التزوير بذور الشك والريبة بين المواطنين أنفسهم، فلم يعد من المؤكد أن جارك، أو زميلك في العمل، أو من يتقدم لخطبة ابنتك، هو ليبي حقيقي يحمل نفس هويتك وتاريخك، وهذه حالة من الاغتراب الداخلي قد تكون أخطر من أي تهديد خارجي.
ورغم الصورة القاتمة، فإن التحقيق يفضي إلى مفارقة واضحة، مفادها أن ليبيا تمتلك نظام سجل مدني تاريخي قوي البنية في جوهره، قادر على الصمود والتتبع، وهذه بعض الأدلة على ذلك:
• القدرة على التتبع والكشف: مكنت السجلات (الورقية والرقمية) النيابة العامة من تتبع آلاف الحالات المشبوهة وربطها عبر المدن، وهو ما يثبت وجود قاعدة يمكن الاعتماد عليها بعد تصحيحها، ولو كانت "القرمة" الأصلية قد تم تدميرها أو فقدانها، لما أمكن كشف هذا العدد الهائل من التزويرات.
• وجود إرادة قضائية للمواجهة: تحقق النيابة العامة في عشرات الآلاف من الحالات وتحريك آلاف الدعاوى يثبت أن المنظومة القضائية يمكن أن تكون خط الدفاع الأول عندما تكون هناك إرادة حقيقية، وهذا يقدم نموذجا يمكن تعميمه على مؤسسات أخرى.
• اليقظة المجتمعية والضغط الشعبي: الضجة الواسعة والاستياء الشعبي شكلت ضغطا ساعد في تسليط الضوء على القضية، فالمجتمع الليبي، برغم كل محنته، لم يفقد حسه الوطني، وهذه الصحوة ضرورية لأي عملية إصلاح.
الإجراءات الرسمية: خطوات على طريق طويل
أعلنت السلطات عن إجراءات للتصحيح، منها:
• تشكيل لجان تحقيق قضائية: شكل النائب العام لجانا في جميع أنحاء ليبيا لفحص المنظومة وإجراءات مكاتب السجل المدني المنتشرة في كل ربوع البلاد.
• مشروع المطابقة الشاملة: لمطابقة المنظومة الرقمية بالسجلات الورقية الأصلية "القرمة".
• التحول نحو الأنظمة الإلكترونية المحكمة: الإعلان مؤخرا عن مشاريع لبطاقة الهوية الإلكترونية والجواز الإلكتروني، وإنشاء مراكز مركزية محمية.
• المراجعة الشاملة وإيقاف الأرقام المزورة: كما حدث في سرت حيث تم إيقاف العمل بـ 598 رقما مزورا في أكثر من قضية خلال السنوات الماضية.
الخلاصة النهائية لهذا التحقيق تؤكد أن ليبيا بلاد المفارقات، ما زالت تحمل في جعبتها كثيرا من المفارقات، ومنها امتلاكها لنظام هوية قوي (القرمة الورقية الأصلية) لم يستطع حماية نفسه من حراسه، ومنها التوسع العشوائي بعد 2011 في تسهيل الإجراءات للمواطنين وتقريب الخدمات منهم؛ أدخل "نسور الجيفة" إلى الهيكل المقدس للهوية الليبية وسمح لهم بالتلاعب بها، ومنها الفراغ التشريعي القديم المتجدد الذي فتح ويفتح الأبواب والنوافذ لكل الفاسدين، والفساد المستشري الذي حول الهوية إلى سلعة للبيع والتربح.
الأمر ليس مؤامرة خارجية غامضة بقدر ما هو انهيار داخلي ممنهج، المواطن "عادل" قلق على هويته، و"أحمد" محق في تشخيص الأطماع الفردية، والموظف السابق "محمود" دقيق في وصف ثقافة "الكل للبيع"، والموظف الحالي "علي" كشف إحدى نقاط الانهيار وهي التوسع بلا ضوابط.
معركة استعادة السجل المدني هي معركة السيادة بامتياز، وهي لن تربح بالتكنولوجيا وحدها (البطاقة الإلكترونية)، ولا بالقضاء وحده (ملاحقات ديسمبر 2025)، بل بمشروع وطني يجمع الإصلاح التشريعي الجذري، والإرادة السياسية الموحدة، وتطهير المؤسسة من "الضعفاء"، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن.
الطريق طويل، والرقم المزور ليس مجرد رقم، بل هو ثقب في سفينة الدولة، والعبرة ليست في عدد الثقوب التي تم سدها، بل في إيقاف من يثقبها.