نواطير ليبيا وثعالبها !
يقول أبو الطيب المتنبي في إحدى قصائده الشهيرة التي هجا بها كافور الإخشيدي:
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصْرٍ عَنْ ثَعَالِبِهَا *** وَقَدْ بَشِمْنَ وَمَا تَفْنَى العَنَاقِيدُ
وقال الشراح والمفسرون إنه قصد بالنواطير السادة الذين يحرسون البلاد، والثعالب الأراذل الذين يسرقون خيراتها، والبشم هو الشبع والأكل حتى الامتلاء، والعناقيد هي أموال البلاد وثرواتها التي وصفها بأنها لا تفنى لكثرتها وتعددها.
وقد تواتر هذا البيت في كتب الأدب والشرح حتى صار مثلا سائرا في كل زمان ومكان، يتناقله الناس كلما رأوا تفريطا في الحقوق، أو تغافلا عن الواجبات، أو نهبا لثروات البلاد على مرأى ومسمع من أولي الأمر، ذلك أن المتنبي لم يصف مصر وحدها بقدر ما كان يرسم صورة خالدة لآفة اجتماعية وسياسية تتكرر في كل عصر؛ آفة النائمين عن مسؤولياتهم، والمتربصين بثروات غيرهم، والغافلين عن مصائر أوطانهم.
وتعقيبا على هذا البيت قال الأديب الكبير طه حسين:
"ولستُ أعرفُ أصدقَ في مصر ولا أبرع في تصويرها من هذا البيت الذي يختصر لوناً من حياة مصر منذ أبعد عهودها بالتاريخ إلى هذا العهد الذي نحيا فيه، ولو أن التاريخ أراد أن يحصي الثعالب التي عدت على مصر وأموالها، فأخذت منها ما أطاقت وما لم تطق حتى أدركها البشم، وما هو فوق البشم، ونواطيرها نائمة وقادتها غافلون، وأموالها مع ذلك لا تفنى ولا تنفد؛ أقول لو أراد التاريخ إحصاء هذه الثعالب لما استطاع. ولست أدري: أيأتي يوم يُكَذَّبُ فيه هذا البيت من شعر المتنبي فلا تنام نواطير مصر ولا تبشم الثعالب فيها ولا يعدو الماكرون الغادرون على أهلها الآمنين الغافلين؟".
انتهى كلامه رحمه الله.
وهنا أقول؛ لم يصف المتنبي ليبيا بهذا البيت، ولا عرفها ولا وطأها ولا حط فيها رحلا، ولكنه لو أراد وصفها لما زاد على هذا البيت كلمة واحدة، فقد نامت نواطير هذه البلاد عن ثعالبها الماكرة المتربصة اللابسة للفضيلة كل ثوب والسالكة للرذيلة كل درب، فعثت الثعالب على أرزاق الناس وأموالهم وعاثت في عناقيد البلاد وثرواتها وحقول نفطها وغازها وأكلت حتى بشمت ولم تكتف والناس حولها جياع يتضاورون، فلا النواطير استيقظت وأدركت أن البلاد على وشك الضياع، ولا الثعالب استحت وعادت عن غيها وبغيها، ولا العناقيد فنيت.
ولم تقتصر مأساة "العناقيد" على نهب مقنن أو سطو عابر، بل تجسدت في أبهى صور العبث مع ظهور كيانات خاصة كشركة "أركنو" لخدمات النفط؛ ذلك النموذج الصارخ لتمكين المقربين والمتنفذين من بيع نفط البلاد واقتسام عائداته الضخمة في صفقات سرية خارج حسابات ميزانية الدولة الرسمية، لقد تحول شريان الحياة الليبي إلى كعكة خاصة يقتسم متنفذوها المكاسب بدم بارد، فيما تودع أثمان الذهب الأسود في حسابات مبهمة بعيدا عن أجهزة الرقابة والشفافية، ليزداد اللصوص ثراء وتوسعا بلا حسيب ولا رحمة، بينما يقف المواطن المغلوب على أمره شامتا فيه فقرُه، وغافلا عن حقوقه المسلوبة.
وما زاد الطين بلة تلك الأزمة المحتدمة التي نشبت مؤخرا وتمثلت في تضارب المعلومات بين المصرف المركزي ومؤسسة النفط حول قيمة الإيرادات والتحويلات النفطية، حيث يلقي كل طرف باللائمة على الآخر في مشهد يتسم بالتنصل من المسؤولية والضبابية المالية، ويأتي هذا العبث والأرقام الضائعة في وقت قفز فيه سعر صرف الدولار في السوق السوداء ليصل إلى عتبة الـ 10 دنانير ونصف، ليخنق القوة الشرائية للمواطن البسيط، ويراكم عليه المزيد من المعاناة؛ حيث التهم الارتفاع المستمر للأسعار ما تبقى من مدخراته، ودفع بشرائح واسعة من الشعب لتهوي تحت خط الفقر الذي يوشك أن يبتلع المجتمع بأكمله.
وليست هذه الثعالب التي أكلت وشبعت وقامت تبحث عن مزيد، إلا جزءا من منظومة أوسع من الفساد والتواطؤ، تعمل في الظل وتتحرك تحت عباءة الشرعية أحيانا، وخارجها أحيانا أخرى، فهي لا تكتفي بالنهب، بل تسعى إلى إعادة إنتاج نفسها في الأجيال الجديدة، عبر إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، وتوجيه الاستثمارات العامة لخدمة مصالحها الخاصة، وإقصاء كل صوت يطالب بالشفافية أو المحاسبة، وهكذا يتحول المال العام إلى أداة لشراء الولاءات، وتتحول المؤسسات إلى ساحات للصراع على الغنائم، ويصبح المواطن مجرد رقم في معادلة لا يراد له أن يفهمها ولا أن يسأل عنها.
وفي خضم هذا العبث، لم يعد الشباب الليبي يرى في وطنه أفقا للمستقبل، فهاجر من هاجر، وانتظر من انتظر، وبقي من بقي يحمل في صدره غصة لا تنتهي، لقد سُرقت من هذا الجيل سنواته، وضاعت عليه فرصه، وتحول حلمه البسيط في حياة كريمة إلى ترف لا يحتمله واقع مشلول، وكل يوم يمر، تزداد الهوة بين ما تحلم به هذه البلاد وما تعيشه، وتترسخ قناعة لدى كثيرين بأن العناقيد التي تحدث عنها المتنبي ليست ملكا لأهلها، بل هي وقف على ثعالب لا تشبع ولا ترحم.
إن هذه الثعالب لن تمكث هنا إلى الأبد؛ فسيأتي يوم تفنى فيه العناقيد ويجف فيه النفط أو يفقد قيمته، وعندها سترحل محملة بغنائمها الثقيلة لتتركنا خلفها نجري وراء السراب، فماذا نحن فاعلون آنذاك، حين لا نجد ما نقتات به، ولا نلفي حولنا سوى أرض قاحلة وأشجار جرداء.