السياسي

ليبيا: كل الطرق لا تؤدي إلى الانتخابات !

ليبيا: كل الطرق لا تؤدي إلى الانتخابات !

ليبيا: كل الطرق لا تؤدي إلى الانتخابات !

 

ما يحدث في ليبيا اليوم من اجتماعات ولجان ومقترحات ومبادرات لحل الأزمة السياسية، والوصول إلى انتخابات تجدد شرعية متهاوية ومهترئة، يبدو معقدا جدا ومتداخلا ومتشابكا على نحو يستعصي على الفهم، حتى بالنسبة لأكثر المراقبين اهتماما، وأقربهم إلى مصادر المعلومات ودوائر اتخاذ القرار.

فبعد حالة الجمود السياسي التي أعقبت فشل انتخابات سنة 2020 — وهو فشل كان حتميا ولا ريب فيه — ظهرت على الساحة لجنة 6+6 بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، وبدأ التقارب بين المجلسين ورئيسيهما يأخذ بعدا آخر قويا جدا، وكما هو الحال في ليبيا، فإن ما يجمع الناس أكثر هو كرههم لشيء ما أو لشخص ما، ولأن رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق خالد المشري وصل إلى مرحلة كبيرة من الازدراء والعداء مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، لجأ إلى عدو آخر تجمعه به العداوة المشتركة للدبيبة، وهو عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، فكثفا اللقاءات والاجتماعات حتى وصلا إلى إسقاط الدبيبة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، لكن الأخيرة فشلت في الوصول إلى الحكم بالحوار والود، أو بالاقتحام والقوة، ووطد التصدي لها في طرابلس من مركز الدبيبة، الذي لجأ بعد ذلك إلى إقصاء المشري وتنصيب حليف له في رئاسة المجلس الأعلى للدولة، لوأد أي مؤامرة قد يحيكها عقيلة صالح ضده. 

وقام محمد تكالة بما هو مطلوب منه، فأجهض كل مساعي عقيلة لإبعاد الدبيبة، حتى إنه حل الفريق الممثل للمجلس الأعلى للدولة في لجنة 6+6، وقطع الاتصال بشكل شبه كامل بين المجلسين خلال فترة رئاسته. ولكن بعد الزخم الذي اكتسبته الأزمة الليبية مؤخرا بدخول الولايات المتحدة ومستشار رئيسها وصهره مسعد بولس على الخط، والإعلان عن مبادرة أمريكية للحل السياسي تقوم فكرتها الأساسية على جمع العائلتين الحاكمتين شرقا وغربا ودمجهما في عائلة واحدة سعيدة، لتزيد من تعاسة الشعب، خرجت البعثة الأممية بفكرة الحوار المهيكل، وجمعت مرة أخرى مجموعة من الأشخاص بلا منهجية واضحة، وأوكلت إليهم مهمة الخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ، ولكن الحوار الأممي المهيكل لم ينجح في انتزاع القدرة على المبادرة والقيادة من مبادرة بولس، فنسجت البعثة على منوالها، ورعت بدورها حوارا مصغرا بين ممثلي العائلتين الحاكمتين، وخرجت باتفاق 4+4 الذي تم التوقيع عليه في أواخر أغسطس الماضي، والذي يمدد للعائلتين الحاكمتين مدة سنتين على الأقل قبل الانتخابات المنشودة. 

في هذه الأثناء، بارك عبد الحميد الدبيبة الاتفاق، كما باركه حفتر وبعض أبنائه، فيما وقف عقيلة صالح موقفا مبهما من الاتفاق، ورفضه محمد تكالة جملة وتفصيلا، ثم التقى تكالة في تركيا بعقيلة صالح، بحضور بعض أبناء حفتر، واتفقوا على رفض مخرجات 4+4 وإحياء مسار 6+6 الذي سبق أن أماته تكالة نفسه قبل فترة ليست بالقصيرة، ليعود عقيلة صالح من تركيا ويدعو إلى جلسة مهمة لمجلس النواب، سبقتها تكهنات وافتراضات بأن الرجل سيرفض اتفاق 4+4 وسيخالف إرادة صدام حفتر مدعوما بقوة أخويه بلقاسم وخالد، الذين حضر أحدهما لقاء إسطنبول ووافق على مخرجاته، ولكن المفاجأة كانت أن عقيلة صالح صدم الجميع مرة أخرى، وأدار ظهره لتكالة وبلقاسم وتركيا، وأقر مخرجات 4+4 التي كان قد رفضها قبل أيام قليلة في إسطنبول.

 

أمام هذه التداخلات والتشابكات، لا يستطيع المتفرج مثلنا على قادتنا وهم يقتسمون ثروتنا ويتصارعون على قيادتنا إلا أن يتساءل: كيف يمكن لتكالة أن يرفض الاتفاق بهذه الطريقة وبهذه الشدة والعنف رغم موافقة الدبيبة عليه؟ هل وافق الدبيبة على الاتفاق فعلا، أم أنه يتظاهر بذلك حتى لا يظهر بمظهر الرافض للحل، بينما يسعى إلى إجهاضه سرا كما سعى إلى إجهاض مسار 6+6؟ هل صحيح ما يشاع من أن مسار بولس و4+4 يبقيان عائلة الدبيبة في الحكم، ولا يشترطان أو يضمنان بقاء عبد الحميد نفسه، ولهذا يدعم الاتفاق في الظاهر ويسعى إلى إجهاضه في الباطن؟ وهل يسيطر عبد الحميد حقا على مربعات نفوذ حكومته، أم أن نفوذ إبراهيم وعماد وعبد السلام قد تجاوزه، ولم يبق منه إلا الصورة التي تحضر في الاحتفالات والمهرجانات وتلقي الخطب المرتجلة بلغة ركيكة غير مترابطة الكلمات والأفكار؟

وفي الطرف المقابل، هل تقف عائلة حفتر في الموقف نفسه، أم أن كلا منهم يعزف لحنا خاصا به؟ لقد دعم خليفة حفتر شخصيا مخرجات 4+4، أو أن بيانا حمل اسمه قد فعل، فلماذا يعارضها خالد وبلقاسم ويحضران لقاء خصص لمناكفتها؟ ولماذا أصدر عقيلة صالح بيانا مبهما في البداية، ثم أعلن رفضه في تركيا، ثم دعمه المطلق بعد ثلاثة أيام فقط في بنغازي؟ ولماذا لم يعقد مجلس النواب أي جلسة منذ ثمانية أشهر، ثم عقد واحدة غير مكتملة النصاب ليوافق على مسار لم يستشر فيه ولم يكن له أي دور في تحديده؟ وهل يمنع صدام عقد جلسات مجلس النواب في بنغازي منذ ثمانية أشهر، ولم يوافق على عقد هذه الجلسة إلا لعلمه أنها في صالحه؟ 

والأهم من ذلك؛ هل يبقي مسار بولس و4+4 على العائلتين أم أنه يقسمهما ليخرج منهما قيادات جديدة قد لا تجمع عليها العائلتان أو بعض أفرادها على الأقل؟ وهل حقا يقود المساران إلى حقبة جديدة قد تكون أسوأ من سابقتها وهي حقبة صدام وإبراهيم؟

ولكن، لكي نكون واقعيين تماما، فإن هذه الأسئلة كلها، وغيرها من تفاصيل العبث الدائر، لا قيمة لها من الأساس، وإجاباتها لا تهمنا في قليل أو كثير، فالمهم حقا، وما نعرفه جميعنا بيقين تام، أنه لا توجد انتخابات، لا بعد عامين ولا بعد أكثر من ذلك، وأن الوجوه نفسها ستتكرر دائما لتعيد إنتاج نفسها وتمارس الفساد بوجوهها المكررة، حتى تسقط الدولة نهائيا وتتلاشى تماما، لكي يفر هؤلاء بمكاسبهم وينهبوا ما تبقى، بينما نبقى نحن وحدنا نحصد نتيجة تهاوننا وصمتنا على هذا السيرك المأساوي الطويل.