السياسي

نظام أربعة في واحد صُنع في ليبيا فقط ؟!

نظام أربعة في واحد صُنع في ليبيا فقط ؟!

نظام أربعة في واحد صُنع في ليبيا فقط ؟!

 

قبل أيام، كنت أشاهد مقطعا مصورا لأحد علماء التاريخ السياسي وهو يتحدث بجدية عن أربعة مصطلحات سياسية يتداولها المختصون والمحللون السياسيون في حواراتهم وكتاباتهم، وكان الرجل يؤكد أن هذه المصطلحات ليست مجرد مترادفات لغوية لشيء واحد كما يعتقد البعض، بل تعبر عن أربعة أنماط مختلفة تماما من أنظمة الحكم: الأوليغاركية، البلوتوقراطية، الكليبتوقراطية، والكاكيستوقراطية.

نفى الخبير صاحب المقطع فكرة ترادف الأسماء بين الأنماط التي ذكرها، وأصر على أنها صفات مختلفة لأنظمة حكم مختلفة، وما درى المسكين أن من ليبيا يأتي الجديد، فقد تمكنا بكل جهل وتعصب من إنتاج نظام حكم استطاع أن يجمع الفساد من أطرافه وينتج نظاما هجينا اجتمعت فيه كل قبائح السياسة ومساوئها، أما الشعب فهو غارق في تأملاته بين طابور الوقود وطابور الخبز وطابور المصرف، ينتظر الانهيار الحتمي لدولته التي سلمها لكهنة معبد الفساد ليقدموها قربانا لإله أطماعهم التي لا تعرف الشبع. 

ما دفعني لكتابة هذه السطور ليس الرغبة في الترف الفكري ولا التمحيص في الفروق النظرية بين هذه المفاهيم، بل تلك المفارقة المبكية المضحكة في واقعنا الليبي، فلقد أثبتت تجربتنا اليومية أن ما نفاه الخبير السياسي من ترادف بين هذه الأنظمة قد تحقق عندنا بكل سلاسة؛ إذ اجتمعت كلها في قالب واحد، لنكون أمام هجين سياسي فريد من نوعه تتداخل فيه كل أشكال الفساد والعبث المؤسسي.

لو أخذنا هذه المصطلحات الأربعة وأسقطناها على مشهدنا الحاضر، سنكتشف أن الفروق بينها تلاشت تماما، وصارت تمثل أربع صفات لحكومة واحدة تماما كما نفى الخبير السياسي صاحب المقطع، فالأوليغاركية، وهي حكم الأقلية، تتجلى بوضوح عندما تتركز أدوات القرار والسيادة في يد حفنة ضيقة من النخب، أو أبناء طائفة واحدة أو عائلة واحدة، وفي حالتنا الليبية، نرى تركز السلطة في دوائر مغلقة تقتسمها عائلتان وحكومتان شرقا وغربا، تنفقان الميزانيات وتعيشان –مع دوائرهما المقربة- في رفاهية خيالية، بينما يبحث المواطن المسكين عن أبسط مقومات الحياة من وقود وكهرباء وماء وحتى رغيف الخبز صار بعيدا عن متناوله، وحين تشعر هذه العائلات وحاشيتها بخلل في المنظومة من حولها، وتململ قد يمهد لسحب البساط من تحتها؛ تسارع إلى إبرام صفات وتوافقات جديدة لتمديد بقائها لسنوات أخرى، دون أي اعتبار للناس أو المؤسسات.

أما البلوتوقراطية، أي حكم الثروة والنفوذ، فتظهر في استخدام المال العام لشراء المناصب والولاءات، وقد رأينا هذا البيع والشراء جهارا نهارا في الاتفاقات السياسية كاتفاق جنيف الذي أنتج سلطة الأمر الواقع الحالية، لتصبح بعد ذلك أموال النفط والاعتمادات المستندية مجرد كروت دفع لضمان ولاءات سياسية وعسكرية، وليتحول المال العام من أداة لبناء البلاد إلى وسيلة التمويل المباشر والوحيد للوصول إلى الكرسي والبقاء عليه إلى الأبد.

ثم نصل إلى الكليبتوقراطية، أو حكم اللصوص ببساطة، وهي المرحلة التي تسقط فيها المؤسسات لتباع وتشترى، وتحول الدولة إلى مجرد بيئة خصبة للنهب والسلب، وفي ليبيا أصبحت السلطة وسيلة لاحتكار موارد البلاد؛ إذ تباع الثروات النفطية والسيادية ويهرب الوقود جهارا ودون رقابة لصالح شبكات تتنافس على تكديس الأموال، حتى لو كان الثمن تجويع الملايين وتجريف اقتصاد الوطن.

ونصل أخيرا إلى الكاكيستوقراطية، وهي تسمية أنيقة لحكم الأسوأ والأقل كفاءة، ولا أعتقد أننا بحاجة لبذل جهد كبير لنصل إلى استنتاج باستحالة وجود زمرة أقل كفاءة أو مهنية من أولئك الذين يقودون المشهد الليبي اليوم؛ إذ وزعت المناصب السيادية والدبلوماسية بناء على المحسوبية والولاء القبلي أو الأمني، مما هبط بأداء مؤسسات الدولة إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ. 

الخصوصية الليبية جعلتنا نعيش داخل نظام مركب لإدارة الفساد، فهذه المصطلحات ليست مجرد صفات متجاورة في كتاب، تستعمل لوصف أنماط معينة من السلطات الفاشلة والفاسدة؛ بل هي دائرة مغلقة تغذي فيها كل مصيبة المصيبة الأخرى؛ فالأقلية النافذة (الأوليجاركية) تضمن بقاءها عبر تصعيد العناصر الموالية وغير الكفؤة (الكاكيستوقراطية)، وهذه العناصر الجاهلة وغير المؤهلة تسهل عملية نهب الموارد وسرقتها (الكليبتوقراطية)، ثم يستغل المال المنهوب لشراء الولاءات والنفوذ العسكري والسياسي (البلوتوقراطية)، وهو ما يحمي الأقلية النافذة ويعيد إنتاجها من جديد.

ويقف النفط هنا كوقود دائم لهذه المهزلة؛ فهو يوفر تدفقات مالية ضخمة تغذي النهب وشراء الذمم دون الحاجة لفرض ضرائب أو الخضوع لأي مساءلة شعبية، مما يمنح هذه الثلة القدرة على الاستمرار في إدارة المشهد بجهل تام وكفاءة معدومة.

اجتماع هذه الأنماط الأربعة في جسم واحد لم يعد مجرد جدل سياسي قد ينفيه مختص ويثبته آخر، بل هو واقع مرير نكتوي بناره كل يوم في تفاصيل حياتنا، من انعدام الخدمات، وتدهور قيمة الدينار، وإهدار مستقبل أولادنا، والفرار من هذه الحلقة المفرغة يحتاج أولا إلى وعي يدرك أن المشكلة ليست في تغيير الوجوه أو الأسماء، بل في إزالة نظام مركب جمع كل أشكال الفساد في قالب واحد، ولا يمكن كسر هذه الدورة إلا باستعادة دولة حقيقية تقوم على القانون والكفاءة والشفافية التامة في إدارة ثروات البلاد.