هل الشعب الليبي مطبع مع الفساد؟
في لحظات الصمت والهدوء، بعيدا عن التبريرات الجاهزة والإسقاطات التقليدية التي تحمل المؤسسات وحدها مسؤولية ما آل إليه الوضع في البلاد، يحتاج الإنسان إلى وقفة شجاعة مع الذات، والنظر في سؤال بسيط في ظاهره، ولكنه ثقيل في مبناه ومعناه؛ هل الشعب الليبي متصالح ومطبع مع الفساد؟
الجواب، ودون حاجة لتنميق الكلمات أو الدوران حول الحقيقة، هو نعم، فنحن لسنا متصالحين مع الفساد فحسب، بل إننا وفي كثير من الأحيان نشجعه ونلمعه ونمنحه غطاء اجتماعيا وثقافيا يجعله مقبولا بل ومستحسنا ومرغوبا.
الفساد في مجتمعنا لم يعد يمارس بخوف أو خجل، لأننا نجحنا في اختراع نظام لغوي كامل يزيل الشبهة الأخلاقية عن الجريمة، لقد أعدنا تعريف "سرقة المال العام" و"استغلال الوظيفة" و"الإثراء غير المشروع" لتصبح في قاموسنا اليومي عبارات تشير إلى الذكاء والاجتهاد مثل "خدمة" و"زقاطة" و"فلاحة" و"فري"، وبالتالي تحولت الجريمة القانونية والأخلاقية إلى مهارة شخصية ونوع من الذكاء الاجتماعي الذي يحسد عليه صاحبه، وبهذا التلاعب اللفظي، أزحنا عن الفاسد الشعور بالذنب، وقدمناه للمجتمع كشخص ذكي وفالح ويعرف كيف يتدبر أمره، ويحصل على ما يريد.
ولا يتوقف الأمر عند إعادة تسمية الأفعال، بل يمتد إلى توزيع الألقاب والمكانة الاجتماعية، فالمسؤول الفاسد اللص، نطلق عليه ألقاب التعظيم والاحترام؛ فهو "الحاج" وهو "القيادة" وهو "الدولة" وهو "الزعيم"، نفسح له الصدارة في المجالس، ونقف للسلام عليه، ونقبل رأسه، ونلتمس التقرب منه، ونبني حوله هالة من المهابة لمجرد أنه يمتلك نفوذا حازه بالباطل، وسطوة نالها بأموال مسروقة.
أما الموظف الأمين والمسؤول الشريف الذي يخرج من وظيفته بنقاء يده وضميره، فلا نكتفي فقط بإهماله وعدم تقديره، بل نلاحقه بالتهكم والسخرية، ويصبح في المفهوم الجمعي "الراقد" و"الهميمة" و"الدرويش" و"النية" و"اللي ما يعرفش يخدم"، لقد انتكست الفطرة عندنا تماما حتى جعلنا من الاستقامة غفلة وغباء، ومن أكل الحرام فطنة وذكاء.
إن الفساد المستشري في المؤسسات ليس سوى انعكاس طبيعي وثمرة مرة لهذا التواطؤ الثقافي، فلا يمكن بناء دولة قانون أو حوكمة رشيدة في بيئة تعاقب الأمين بالازدراء وتكافئ الفاسد بالتبجيل.
ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فالفساد لم يعد مجرد سلوك فردي يمارسه البعض في الظلام، بل تحول إلى منظومة قيمية متكاملة نتنافس فيها جميعا، فكم منا يجلس مع أصدقائه في مجلس، ويسردون حكاياتهم عن "المعاملات" و"الواسطات" و"العلاقات" التي مكنتهم من الحصول على خدمات أو مناصب أو عقود، وكأنهم يتنافسون في بطولة وطنية للإثراء السريع؟ وكم منا يفتخر بقدرته على تسيير الأمور عبر الصديق الفلاني أو الزميل العلاني في المؤسسة الفلانية، متناسيا أن هذا التسيير هو في حقيقته التفاف على الإجراءات القانونية وسرقة لحقوق الآخرين.
إننا نربي أبناءنا، عن قصد أو غير قصد، على ثقافة "المعرفة" و"العلاقات" باعتبارها مفتاح النجاح، لا على ثقافة الجدارة والإتقان والأمانة، وحين يسأل الطفل أباه؛ كيف حصلت على هذه الوظيفة أو هذا العقد؟ يجيب الأب بكل اعتزاز؛ "بالمعرفة يا ولدي، الدنيا ماشية بالمعارف"، وكأنه يمنحه درسا في الحياة العملية يختصر فيه كل قيم النزاهة والشفافية، وهكذا تنتقل العدوى من جيل إلى جيل، وتصبح "الفلاحة" و"الفري" و"الزقاطة" تراثا ثقافيا يتوارث كالمجد والكرم، وتتحول المؤسسات العامة إلى مزارع خاصة يزرع فيها أصحاب النفوذ ما يشاؤون ويحصدون ما يرغبون.
والأكثر إزعاجا أننا نعيش في تناقض أخلاقي صارخ، فنحن في خطاباتنا الدينية والوطنية نستحضر العدالة والنزاهة ومحاربة الفساد، وفي مجالسنا الخاصة نبرر ونتغاضى بل ونشارك، نلعن الفساد في المظاهرات والندوات، ثم نذهب إلى بيوتنا ونتصل بفلان وعلان لتزوير معاملة أو تسريع إجراء أو تغطية خطأ، نخطب في الناس عن الأمانة، ونمارس في الخفاء كل أشكال الالتفاف عليها، هذه الازدواجية المرضية أصبحت علامة أساسية لشخصيتنا المجتمعية، وتعتبر المبرر الأقوى لاستمرار الفساد وتجذره.
ثم هناك الجانب الآخر من التواطؤ، وهو الصمت المطبق الذي يمارسه المثقفون والنخب والإعلاميون تجاه الفساد الصغير الممارس في حياتهم اليومية، مقابل ضجيجهم الأكبر تجاه الفساد الكبير الذي يمارسه "الآخر" السياسي، فنحن نجيد تقصي عورات خصومنا وإبراز فسادهم، ولكننا نغض الطرف عن فساد أصدقائنا وأقربائنا وزملائنا، إن هذه الازدواجية في المعايير هي التي جعلت قضايا الفساد مجرد أدوات سياسية لتصفيات الحسابات، وليست قضايا مجتمعية حقيقية تحتاج إلى علاج جذري على جميع المستويات.
وأما الحديث عن حلول، فهو متوقف بالضرورة على هذا الفهم الجيد لأسباب الفساد، فلا يمكن تغيير واقعنا بالقوانين وحدها، طالما أن القلوب والعقول ما زالت أسيرة هذه الثقافة المبررة.
إن أولى خطوات الإصلاح لا تبدأ من التشريعات والقوانين فحسب، بل تبدأ من استعادة عافيتنا الأخلاقية، وتطهير قاموسنا اليومي، وشجاعة تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، فاللص هو لص مهما أطلقنا عليه من ألقاب، والأمين هو البطل الحقيقي مهما رميناه بسيء الأوصاف، ولنبدأ بوضوح في تسمية الأشياء بمسمياتها، لنسم السرقة سرقة، والرشوة رشوة، والمحسوبية محسوبية، ولنعترف بأننا جميعا بدرجات متفاوتة، شركاء في هذه الكارثة الأخلاقية قبل أن تكون كارثة مؤسسية.