تحقيقات

بين المواطن والأجنبي كيف تحول الرقم الإداري من حل مؤقت إلى وضع دائم؟

في 2019 انقلبت حياتنا !

كانت في الثامنة والعشرين من عمرها تقريباً عندما تغير وضع أسرتها بالكامل.

تقول صاحبة الشهادة، البالغة اليوم 35 عامًا، إن والدها قدم إلى ليبيا وهو في الثالثة عشرة من عمره، وإن الأسرة تعتبره من أصول ليبية. استقر في البلاد وعمل فيها، وتزوج والدتها بوثائق ليبية، قبل أن يتقدم بإجراءات الجنسية عن طريق مكتب الصحراء الشرقية عام 2001 ، مرت السنوات وعاشت الأسرة بوثائقها بصورة اعتيادية، إلى أن جاء عام 2019.

تقول:

في 2019 حجبوا أرقامنا الوطنية، وقيل لنا إن المشكلة مرتبطة بملفات الجنسية الصادرة عن مكتب الصحراء الشرقية. من يومها انقلبت حياتنا .

بحسب شهادتها، لم يتوقف أثر حجب الرقم الوطني عند تعطل بعض المعاملات الإدارية؛ بل امتد تدريجيًا إلى جوانب مختلفة من حياة الأسرة، من العمل والسفر والزواج إلى تسجيل الأبناء وإنجاز الإجراءات الرسمية.

وفي الفترة نفسها، كانت والدتها تعاني مشكلات صحية خطيرة، قبل إصابتها لاحقًا بورم استدعى العلاج والمتابعة. وتوضح الابنة أن الرقم الوطني لوالدتها لم يكن محجوبًا، ما أتاح لها في البداية تلقي العلاج في مستشفى شارع الزاوية، قبل أن تضطر الأسرة لاحقًا إلى شراء بعض الأدوية والعلاجات من الخارج.

وعندما بدأت الأسرة التفكير في نقل الأم إلى الخارج لاستكمال علاجها، اصطدمت، وفق رواية ابنتها، بعائق آخر: لم يكن الأبناء قادرين على استخراج جوازات سفر تمكنهم من مرافقتها.

توفيت الأم عام 2021، لكن مشكلات الوثائق والإجراءات استمرت بعد وفاتها.

تقول ابنتها إن الأسرة واجهت تعقيدات في إجراءات الميراث، وإن أحد إخوتها لم يتمكن من تسجيل ابنته، فيما اصطدم أفراد آخرون بعقبات مرتبطة بالزواج والعمل والمعاملات الرسمية أما هي، فقد بلغت الخامسة والثلاثين، وتقول إنها لا تزال غير قادرة على استكمال إجراءات زواجها بسبب وضع ملفها.

وتقول:

أنا لم أختر أبي ولا أمي. إذا كان هناك تزوير أو مشكلة في الملفات، فهذه مسؤولية الدولة أن تحقق فيها وتحاسب المسؤول عنها، لكن لا يمكن أن نُترك كل هذه السنوات بلا هوية. أنا لا أملك أوراقًا من دولة أخرى حتى يقولوا لي: اذهبي إلى بلدك .

وتروي أنها حاولت مرارًا معرفة سبب استمرار حجب رقمها الوطني، وزارت جهات رسمية للاستفسار عن ملفها، لكنها، وفق قولها، لم تحصل على إجابة تحدد مصيره أو موعدًا لحسمه وفي إحدى تلك المحاولات، تقول إنها خاطبت الموظفين:

عائلة كاملة تدمرت، وأنا عمري 35 سنة ولا أستطيع الزواج أو أن أعيش حياتي، وتقولون لي اذهبي وانتظري؟

وتشدد على أنها لا تطالب بمنحها حقًا دون مراجعة ملفها، وإنما تريد من الدولة فحصه واتخاذ قرار نهائي بشأنه: إذا كانت هناك مشكلة أو تزوير، فليحققوا فيها. لكن يجب أن يكون هناك حل وبديل. لا يتركون الإنسان سنوات من غير هوية. 

جواز مؤقت إلى تركيا.. والعلاج يتوقف من جديد :

في أسرة أخرى، لم تظهر أزمة الرقم الإداري عند محاولة إنجاز معاملة عادية، بل في لحظة كانت فيها إحدى بناتها بحاجة إلى العلاج خارج البلاد.

تروي الأم أن وضع الأسرة المرتبط بالرقم الإداري انعكس، بحسب قولها، على الرواتب وعلى قدرتها على إنجاز عدد من الإجراءات. لكن المشكلة أصبحت أكثر إلحاحًا عندما مرضت ابنتها واحتاجت إلى العلاج في الخارج ، ومع تفاقم حالتها، تمكنت الأسرة، وفق شهادة الأم، من الحصول من السلطات الليبية على جوازات سفر مؤقتة أتاحت لها السفر إلى تركيا لعلاج الابنة.

سافرت الأسرة، وبدأت الابنة العلاج، ثم عادت إلى ليبيا.

لكن وثيقة السفر التي فتحت أمامها الحدود بصورة مؤقتة لم تحسم أصل المشكلة ، وتقول الأم إن الإجراءات تغيرت لاحقًا خلال فترة حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، وإن الأسرة لم تتمكن بعد ذلك من استكمال المسار الذي كان يسمح لها بالسفر لمواصلة علاج ابنتها. ووفق شهادتها، لا يزال علاج الابنة في الخارج متوقفًا حتى وقت إعداد هذا التحقيق.

وبين رحلة علاج بدأت في تركيا ومحاولات العودة لاستكمالها، بقيت الابنة مقعدة، فيما واصلت الأسرة البحث عن وثائق وإجراءات تمكنها من السفر مجددًا.

تكشف القصة مفارقة يصعب تجاوزها: استطاعت الدولة في مرحلة ما أن تمنح أفراد الأسرة وثائق سفر مؤقتة عندما استدعت الظروف ذلك، لكن الحل الاستثنائي انتهى من دون أن يحسم وضع ملفاتهم بصورة نهائية ، وهنا يعود السؤال نفسه: إذا كان بالإمكان الاعتراف بهم إداريًا بما يسمح لهم بعبور الحدود في ظرف معين، فما الذي يمنع الدولة من اتخاذ قرار نهائي بشأن مركزهم ووثائقهم؟ 

خدم داخل مؤسسة الدولة وبقي ملفه المدني معلقاً :

القصة الثالثة تبدأ من مكان مختلف: المؤسسة العسكرية.

لسنوات، خدم رجل ضمن القوات الليبية، حمل الصفة العسكرية، وتلقى الأوامر وأدى واجباته داخل مؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة.

وبحسب الشهادة المتاحة للتحقيق، شارك كذلك في مهام عسكرية خارج ليبيا ، وتشير الشهادة إلى تشاد وساحات أخرى من بينها سوريا ولبنان، وهي تفاصيل يتعامل معها التحقيق بوصفها جزءًا من رواية صاحب الحالة ما لم تدعمها الوثائق العسكرية المتاحة.

لكن المفارقة ظهرت عندما انتقل الرجل من المؤسسة التي تطالبه بأداء واجباته إلى المؤسسات التي يفترض أن تحسم حقوقه وإجراءاته المدنية  ، بعد سنوات من الخدمة، ظل ملفه المدني غير محسوم، واختصرت عبارة واجهها المشكلة كله إجراءاتك ناقصة !

هكذا وجد الرجل نفسه أمام صورتين للدولة نفسها: مؤسسة عسكرية تعاملت معه باعتباره فردًا تابعًا لها وأوكلت إليه واجبات، ومنظومة مدنية لم تحسم مركزه ووثائقه بصورة نهائية.

ولا تتعلق المسألة هنا بإثبات أن الخدمة العسكرية تمنح الجنسية؛ فهي لا تفعل ذلك بذاتها. لكن الحالة تطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تستطيع إحدى مؤسسات الدولة تثبيت علاقة وظيفية وعسكرية بشخص لسنوات، بينما يبقى مركزه أمام مؤسسات مدنية أخرى معلقاً؟ 

ثلاث قصص وسؤال واحد عن الدولة :

ثلاث قصص بمسارات مختلفة: امرأة حُجب رقمها الوطني في 2019، وأسرة حصلت على جوازات مؤقتة لعلاج ابنتها في تركيا قبل أن تتعطل إجراءاتها مجددًا، وعسكري خدم سنوات داخل مؤسسة الدولة بينما ظل ملفه المدني معلقًا.

وراء هذه الحالات يقف ملف أوسع يمتد لعقود: السجلات المدنية المؤقتة والأرقام الإدارية في ليبيا.

ولا يمثل حاملو الرقم الإداري بالضرورة فئة قانونية واحدة؛ فبينهم أصحاب قرارات سابقة لم تُستكمل إجراءاتها، وحالات خضعت للحصر والمراجعة، وأخرى ترتبط بإثبات الانتماء إلى الأصل الليبي. وفي المقابل، تتمسك الدولة بحقها في حماية السجل المدني والتحقق من الملفات وشبهات التزوير قبل حسم الجنسية.

لكن التدقيق يطرح سؤالًا آخر: هل يبرر إبقاء الإنسان سنوات، وربما عقودًا، دون قرار نهائي بشأن مركزه؟

من هنا ينطلق هذا التحقيق ليتتبع القوانين والقرارات واللجان وعمليات الحصر التي تعاقبت على الملف، وما نُفذ منها وما تعطل، بحثاً عن إجابة لسؤال جوهري: كيف تصنف الدولة حامل الرقم الإداري؟ مواطنًا تعطلت إجراءاته، أم طالب جنسية ينتظر الحسم، أم صاحب وضع مؤقت؟ ومن المسؤول عن استمرار هذا الوضع كل هذه السنوات؟ 

الرقم الإداري ليس ملفاً للطوارق وحدهم:

يشدد جعفر عثمان الأنصاري، عضو الحوار المهيكل في لجنة حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية والمهتم بملف الأرقام الإدارية من الناحية القانونية، على أن قضية السجلات المؤقتة والأرقام الإدارية ليست ملفاً حديثاً،ولا قضية تخص الطوارق وحدهم، بل تمتد جذورها لعقود وتشمل فئات ومناطق مختلفة من ليبيا.

ويقول الأنصاري إن الملف يرتبط، في جانب منه، بعائلات عادت من المهجر بعد أن غادرت ليبيا خلال فترات تاريخية مختلفة إلى دول الجوار، من بينها الجزائر وتونس ومصر والسودان والنيجر، بفعل الحروب والفقر والاستعمار وصعوبة الحياة والنزاعات القبلية. وخضعت أوضاع عدد من هذه الأسر، بحسب قوله، لعمليات حصر ومراجعة متعاقبة منذ عقود.

ويؤكد الأنصاري أن التركيز الإعلامي والسياسي على الطوارق قد يعطي انطباعاً خاطئاً بأن الرقم الإداري مرتبط بهذا المكون وحده، موضحاً: نحن نعمل على الملف بشكل عام ، الأرقام الإدارية ليست خاصة بالطوارق فقط؛ هناك عرب وتبو، وهناك حالات من مختلف أنحاء ليبيا ، نحن نتعامل معه باعتباره ملفاً عاماً، وليس ملفاً خاصاً بالطوارق .

ويقول إن هذا التنوع يعني أيضاَ أن حاملي الأرقام الإدارية لا يمثلون حالة قانونية واحدة؛ فلكل مجموعة، بل ولكل ملف، مساره ووثائقه والقرارات والإجراءات التي خضع لها، وهو ما يجعل، بحسب رؤيته، دراسة الملفات والتحقق منها بصورة فردية ضرورة قبل حسم أوضاع أصحابها.

ويشير الأنصاري إلى أن الدولة شكلت في مراحل مختلفة لجاناً للتحقق من أوضاع عدد من هذه الأسر، والاستعانة بمعرّفين للتحقق من صلات القرابة والنسب، كما صدرت قرارات لمعالجة بعض الحالات. إلا أن التنفيذ، وفق قوله، لم يكن متساوياً؛ إذ استكمل بعض الأشخاص إجراءاتهم، بينما بقي آخرون في أوضاع مؤقتة.

ويضيف : نحن في الحوار لم نطالب بمنح الجنسية بصورة جماعية، بل طالبنا بتنفيذ قرارات سبق أن صدرت؛ نُفذ جزء منها، بينما لم يُنفذ جزء آخر.

وفي الوقت نفسه، يقر الأنصاري بوجود إشكاليات مرتبطة بسلامة السجل المدني، مؤكداً أن المطالبة بتسوية أوضاع حاملي الأرقام الإدارية لا تعني تجاهل شبهات التزوير أو الاختراق.

ويقول إنهم يطالبون بتنقيح السجل المدني ومراجعة الملفات والتحقق من المستندات من خلال الجهات المختصة، بحيث يُفصل بين الملفات التي تستوفي شروطها القانونية وبين أي ملف يثبت وجود تزوير أو مخالفة فيه، بدل إبقاء الجميع في وضع مؤقت غير محدد المدة.

ويرفض الأنصاري في هذا السياق مساواة تسوية الملفات القائمة تلقائياً بالتوطين أو التغيير الديمغرافي، معتبراً أن معالجة مركز قانوني قائم منذ سنوات تختلف عن منح الجنسية بصورة جماعية لأشخاص جدد. 

أرقام متضاربة والدولة نفسها أقرت بصعوبة الحصر:

تعاقبت على الملف لجان وعمليات حصر ومراجعة في مراحل مختلفة، لكن مراجعة ما أمكن الوصول إليه من قرارات وتصريحات رسمية لا تقود إلى رقم واحد يمكن اعتماده باعتباره العدد النهائي لحاملي الأرقام الإدارية في ليبيا.

ويقول جعفر عثمان الأنصاري إن آخر حصر رسمي يستند إليه يعود إلى عام 2014، وبلغ نحو 11,700 أسرة إلا أن التحقيق لم يتمكن من العثور على وثيقة الحصر الأصلية التي تثبت هذا الرقم وتحدد الفئات التي شملها، ولذلك يبقى الرقم منسوباً إليه.

وتظهر في المقابل أرقام أخرى مرتبطة بمراحل وفئات مختلفة من الملف. ففي مسار سابق للرقم الإداري، تشير إفادات منشورة حول أعمال لجان التثبت إلى التوصية بضم 14,242 عائلة من الطوارق إلى الأصل الليبي، بينما انتهت مراجعات لاحقة إلى صدور القرار رقم 328 لسنة 2009 بالموافقة على منح الجنسية لـ 7,102 شخصاً من الطوارق، وفق المصدر الذي اطلع عليه التحقيق. ولا يمثل أي من الرقمين إجمالي حاملي الرقم الإداري، لارتباطهما بفئة وإجراءات قانونية محددة سبقت إنشاء المنظومة بصورتها اللاحقة.

ومع إطلاق منظومة الرقم المؤقت، قال رئيس مصلحة الأحوال المدنية آنذاك محمد بالتمر إن عملية الحصر التي انطلقت بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 871 لسنة 2013 واجهت صعوبات أمنية وفنية، معتبراً أن العدد المسجل للعائدين لا يعكس العدد الحقيقي. وفي بيانات منشورة لاحقاً، ظهر رقم يقارب 13 ألف أسرة من الطوارق مقيدة في منظومة الرقم المؤقت منذ عام 2016.

ولا يمكن التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها رقماً إحصائياً لفئة واحدة؛ إذ تتعلق بسنوات مختلفة وقرارات وفئات قانونية مختلفة، بين طالبي إثبات الانتماء إلى الأصل الليبي، والمشمولين بقرارات منح الجنسية، والمقيدين في السجلات المؤقتة، وحاملي الأرقام الإدارية.

ويكشف غياب رقم رسمي حديث ومصنف مشكلة أخرى في الملف نفسه: بعد سنوات من اللجان والحصر والقرارات، لا يزال من الصعب تحديد عدد أصحاب كل مركز قانوني على حدة، ومن منهم صدر بشأنه قرار جنسية، ومن لا يزال ملفه قيد المراجعة، ومن يحمل رقماً إدارياً دون حسم نهائي لوضعه. 

بين المواطن والأجنبي :

لا يرى الأنصاري أن المشكلة تقف عند غياب رقم نهائي لحجم الفئة، بل في استمرار آثار الوضع المؤقت على حياة أصحاب الملفات ، ويقول إن مستوى حصول حامل الرقم الإداري على الخدمات قد يختلف من منطقة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى، بينما تظهر الصعوبات بصورة أكبر في إجراءات مرتبطة بالسفر والزواج وتسجيل الوقائع المدنية والعمل والعلاج وغيرها.

ويصف الأنصاري حامل الرقم الإداري بأنه يعيش في منطقة رمادية؛ فلا يتمتع، بحسب وصفه، بكامل الحقوق والإجراءات المتاحة للمواطن صاحب الرقم الوطني، وفي الوقت نفسه قد لا يكون أجنبياً يحمل جنسية دولة أخرى يمكنه اللجوء إلى سفارتها للحصول على وثائق أو حماية قنصلية.

ويذهب أبعد من ذلك حين يقارن وضع بعض حاملي الرقم الإداري بالأجانب والمهاجرين، معتبراُ أن الأجنبي قد يمتلك على الأقل مركزاً قانونياً معروفاً ووثائق صادرة عن دولته، فيما توجد جهات ومنظمات تتعامل مع المهاجرين وتقدم لبعضهم خدمات أو حماية، بينما قد يبقى حامل الرقم الإداري عالقاً بين أكثر من منظومة.

وتظهر، وفق الأنصاري، مفارقة أخرى لدى بعض المنتسبين إلى المؤسسات العسكرية والأمنية؛ إذ قد تعترف بهم مؤسسة من مؤسسات الدولة كعسكريين أو أفراد شرطة، في حين تبقى أوضاعهم المدنية وإجراءاتهم القانونية غير محسومة.

ويرى أن آثار ذلك تمتد إلى الأسرة بأكملها: التمييز موجود ويُمارس بصورة يومية؛ ضد الطفل، وضد المرأة، وضد المسافر، وضد المريض .

ويطالب الأنصاري بوضع سقف زمني لإنهاء مراجعة السجلات المؤقتة، وضمان الحقوق والخدمات الأساسية لأصحابها خلال فترة التسوية، مع اتخاذ قرارات واضحة بشأن كل ملف بدل استمرار الوضع المؤقت ،كما يرى أن القرارات النافذة التي لم تُلغ يجب تنفيذها، وأن الملفات التي تحوم حولها شبهات يجب فحصها والتحقيق فيها من الجهات المختصة، داعياً الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني إلى مواصلة الضغط من أجل حسم القضية.

وبالنسبة إليه، فإن تعاقب الحكومات واللجان دون الوصول إلى نهاية للملف يكشف أن المشكلة لم تعد في وجود إجراءات وقوانين فحسب، وإنما في تنفيذها وحسم المسؤولية عن الملفات التي بقيت معلقة.

وهنا يضع تصريح الأنصاري التحقيق أمام سؤال يتجاوز الطوارق والتبو والعرب على حد سواء: إذا كان الرقم الإداري يشمل ليبيين من خلفيات ومناطق ومسارات قانونية مختلفة، فلماذا ما زالت الدولة تجمعهم تحت وضع مؤقت واحد، وهل تمتلك أصلًا قاعدة بيانات حديثة تحدد عددهم وتصنف كل فئة وفق مركزها القانوني؟ 

من «حل مؤقت» إلى ملف يتوارثه الأبناء ماذا قالت الدولة عن أصحاب الرقم الإداري؟

بعد أن تعذر على معدّة التحقيق الحصول على إجابات مباشرة من عدد من الجهات الرسمية التي وُجهت إليها أسئلة بشأن الأرقام الإدارية والسجلات المؤقتة، راجع التحقيق القوانين والقرارات والتصريحات الرسمية المنشورة التي تناولت الملف خلال السنوات الماضية، بحثاً عن إجابة لسؤال أساسي: كيف عرّفت الدولة أصحاب الرقم الإداري؟ هل اعتبرتهم مواطنين، أم أجانب، أم فئة مؤقتة تنتظر حسم مركزها القانوني؟

تكشف مراجعة هذه الوثائق أن مصطلح «الرقم الإداري» لم ينشأ بوصفه جنسية جديدة، ولا بوصفه وثيقة تثبت أن حاملها أجنبي، بل ظهر كآلية إدارية لمعالجة أوضاع أشخاص مقيدين في سجلات مؤقتة ولم يحصلوا على الرقم الوطني، إلى حين تسوية أوضاعهم بصورة نهائية.

لكن ما كان يفترض أن يكون مؤقتاً استمر سنوات، وتعاقبت عليه قوانين وقرارات ولجان وحكومات من دون الوصول إلى تسوية نهائية لجميع الحالات. 

 الجنسية شيء والرقم الإداري شيء آخر:

قبل ظهور منظومة الرقم الإداري بصورتها اللاحقة، كان القانون رقم 24 لسنة 2010 بشأن أحكام الجنسية الليبية هو الإطار الأساسي المنظم لمسائل الجنسية ، والقانون يميز أصلاً بين فئات مختلفة؛ منها من يطالب بإثبات انتمائه إلى الأصل الليبي، ومنها الأجنبي المقيم الذي يتقدم بطلب لاكتساب الجنسية.

فنصت المادة السادسة على تشكيل لجان للجنسية تختص بإبداء الرأي في صحة انتماء طالبي الجنسية من الأصل الليبي، وفي الوقت نفسه تختص بقبول ودراسة طلبات الحصول على الجنسية المقدمة من الأجانب المقيمين ، أما المادة السابعة فاشترطت لإثبات الانتماء إلى الأصل الليبي وجود مستندات قانونية تثبت ذلك.

وتكشف هذه التفرقة أهمية قانونية بالنسبة إلى ملف الرقم الإداري: ليس كل شخص لم يحصل على رقم وطني أجنبياً بالضرورة، كما أن وجود الشخص في سجل مؤقت أو حصوله لاحقاً على رقم إداري لا يساوي في حد ذاته ثبوت الجنسية الليبية.

فالجنسية يحكمها قانون وشروط وإجراءات إثبات ومنح مستقلة، بينما الرقم الإداري ظهر لاحقاً كأداة لمعالجة آثار بقاء بعض الملفات دون رقم وطني. 

ولادة «المؤقت» ومفارقة القانون :

بحسب تصريح سابق لرئيس مصلحة الأحوال المدنية محمد بالتمر، أُطلقت منظومة الرقم المؤقت في سياق حصر الأشخاص الذين لم يحصلوا على الرقم الوطني، وربط بالتمر هذه المنظومة بقرار مجلس الوزراء رقم871  لسنة 2013.

وقال بالتمر في تصريح صحفي سابق إن الرقم الإداري كان «رقماً تنظيمياً» لحصر العائدين ومعالجة بعض أوضاعهم، ومن بينها صرف المرتبات وإتاحة العمل في القطاع العام، إلى حين البت في أوضاعهم.

لكن نقطة التحول القانونية الأوضح جاءت في مارس 2014، مع صدور القانون رقم 8 لسنة 2014 بشأن الرقم الوطني.

فالمادة الأولى جعلت الرقم الوطني مصدراً للتعرف والتأكد من الهوية أمام مؤسسات الدولة، بينما نصت المادة الرابعة على أن الرقم الوطني يُمنح بناءً على بيانات السجل المدني المستوفاة والصحيحة، وأنه قرينة على أن حامله مواطن ليبي.

ثم جاءت المادة الثامنة بمفارقة شديدة الأهمية لهذا التحقيق.

فهي حظرت منح «أرقام وطنية مؤقتة»، لكنها اعترفت في الوقت نفسه بوجود مواطنين من أصول ليبية ممن سبق قيدهم بالسجلات المدنية ولم تصدر لهم أرقام وطنية ، وأجازت معالجة أوضاعهم المالية والإدارية بإجراءات تنظيمية يقرها مجلس الوزراء، بما يسمح بصرف مرتباتهم إلى حين تسوية أوضاعهم نهائياً.

أما المادة التاسعة فذهبت أبعد من ذلك؛ إذ ألزمت الجهات المعنية بحصر هذه الحالات، ومنع القيود الجديدة، وتحديد فترة زمنية لإنهاء الوضع المعلق، إما بمنح أصحابها أرقاماً وطنية أو بإلغاء قيودهم وما ترتب عليها.

وهنا تظهر واحدة من أهم نتائج مراجعة الوثائق: القانون نفسه لم يصمم هذا المركز ليبقى مفتوحاً إلى أجل غير معلوم، بل تحدث صراحة عن إنهاء الوضع المعلق.

والأهم بالنسبة إلى سؤال «مواطن أم أجنبي؟» أن المادة الثامنة لم تستخدم وصف «الأجانب» لهذه الفئة، وإنما تحدثت عن «مواطنين من أصول ليبية» سبق قيدهم بالسجلات المدنية ولم تصدر لهم أرقام وطنية.

لكن ذلك لا يعني أن كل حامل رقم إداري تثبت له الجنسية تلقائياً؛ فملف الأرقام الإدارية، كما تكشف الشهادات والقرارات اللاحقة، يضم أوضاعاً ومسارات قانونية مختلفة. 

 حكومة الإنقاذ تمنح «الرقم الإداري» وظيفة مؤقتة :

في 21 مايو 2015، اتخذ مجلس الوزراء في حكومة الإنقاذ الوطني خطوة أكثر وضوحاً، عندما أصدر القرار رقم 102 لسنة 2015 لمعالجة الإشكاليات الإدارية والمالية لذوي السجلات المؤقتة لدى مصلحة الأحوال المدنية.

وحدد القرار آلية تبدأ بحصر أصحاب السجلات المؤقتة من قبل مصلحة الأحوال المدنية، ثم إحالة البيانات إلكترونياً إلى مشروع الرقم الوطني، وتدقيقها ومقارنتها بقاعدة البيانات للتأكد من صحتها وعدم تكرارها.

وبعد ذلك يُصرف لأصحاب السجلات المؤقتة رقم إداري كبديل مؤقت عن الرقم الوطني لاستخدامه في استكمال إجراءاتهم المالية، مع التحقق من عدم الازدواجية بالتعاون بين وزارة المالية وإدارة مشروع الرقم الوطني ، هذه الصياغة مهمة؛ لأنها تحدد أصل الرقم الإداري بوصفه أداة مؤقتة، لا حسماً لمسألة الجنسية.

لكن بعد أقل من شهر، قدم رئيس حكومة الإنقاذ آنذاك خليفة الغويل تفسيراً أوسع بكثير.

ففي 18 يونيو 2015، أعلن الغويل أن الرقم الإداري «معادل للرقم الوطني»، وقال إن صاحبه يستطيع من خلاله الحصول على المرتبات وإنجاز الإجراءات الإدارية والحصول على وثيقة سفر، والأكثر دلالة أن الغويل وصف الفئة في تصريحه بأنها شريحة من الليبيين لم تكن لديها أرقام وطنية، وتحدث عن الرقم الإداري باعتباره وسيلة تسمح «للمواطن» بالحصول على الخدمات.

وهنا تظهر فجوة تستحق المساءلة: إذا كان القرار الأصلي يتحدث عن بديل مؤقت لمعالجة أوضاع مالية وإدارية، بينما أعلن رئيس الحكومة أنه يعادل الرقم الوطني في الخدمات ووثيقة السفر، فما الحدود القانونية الدقيقة للرقم الإداري؟ وهل تحولت تصريحات السلطة التنفيذية إلى إجراءات ملزمة في مؤسسات الدولة؟

قصص هذا التحقيق تشير إلى أن الواقع كان أكثر تعقيداً من ذلك.

 أما مجلس النواب فقد دخل على خط الأحوال المدنية والجنسية حيث استمر الملف بعد ذلك دون حسم نهائي. وتظهر السجلات القانونية صدور قرار مجلس النواب رقم 4 لسنة 2018 بشأن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ملف يرتبط بالأحوال المدنية والجنسية والرقم الوطني. ويؤكد مجرد استمرار تشكيل اللجان بعد سنوات من إطلاق المعالجات المؤقتة أن القضية لم تكن قد وصلت إلى نهاية مؤسسية نهائية. 

 الدبيبة: إعطاء الحقوق واجب يفرضه القانون:

بعد ست سنوات من قرار 2015، عاد الملف إلى أعلى مستوى في السلطة التنفيذية.

ففي سبتمبر 2021، عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة اجتماعاً ضم رئيس المخابرات العامة، ووزير الداخلية، ورئيس مصلحة الجوازات والجنسية، ورئيس مصلحة الأحوال المدنية، ومدير الإدارة القانونية بوزارة الداخلية، ورئيس الهيئة العامة للمعلومات ، وكان موضوع الاجتماع صريحاً: الصعوبات التي تواجه الحاصلين على الأرقام الإدارية، إلى جانب ملف أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب.

وقال الدبيبة إن إعطاء الحقوق «واجب يفرضه القانون»، وإن التعامل مع الملف وفق صحيح القانون مسؤولية أخلاقية ووطنية تتحملها الحكومة، ثم أصدر تعليماته بتشكيل لجنة عليا لدراسة التفاصيل الفنية والقانونية وإحالتها إلى مجلس الوزراء.

واللافت هنا مرة أخرى أن الخطاب الرسمي لم يصف أصحاب الأرقام الإدارية بالأجانب.

بل إن وكالة الأنباء الليبية، في تغطيتها الرسمية للاجتماع، تحدثت عن العمل على إعطاء الحقوق لكل مواطن ليبي، في سياق مناقشة أصحاب الأرقام الإدارية ،لكن الاعتراف بوجود حقوق لم يكن نهاية الملف.

في اليوم نفسه تقريباً، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 322 لسنة 2021 بتشكيل لجنة مركزية للجنسية برئاسة رئيس مصلحة الجوازات والجنسية وشؤون الأجانب، وعضوية مسؤولين من الأحوال المدنية والداخلية والمخابرات والأمن الداخلي وغيرها ،وكلف القرار اللجنة بمراجعة الملفات المحالة إليها والتحقق من استيفائها للشروط القانونية.

أما اللجان الفرعية، فكلفها القرار باستلام ودراسة عدة فئات، من بينها أبناء المواطنات الليبيات، وزوجات المواطنين، وأبناء المتجنسين غير المدرجين في شهادات جنسية آبائهم، ومن كانت أصولهم ليبية ولم يستطيعوا إثبات انتمائهم إلى الأصل الليبي، إضافة إلى القرارات السابقة الصادرة بمنح الجنسية والتحقق من مدى صحتها ، وهذا القرار يوضح نقطة مركزية في التحقيق: الدولة لم تتعامل مع جميع أصحاب الملفات باعتبارهم فئة قانونية واحدة، بل أعادت فتح مسارات مختلفة للتحقق من الجنسية والانتماء والقرارات السابقة.

وبالتالي، فإن مصطلح «حامل الرقم الإداري» يخفي خلفه مراكز قانونية متعددة، ولا يكفي الرقم نفسه للقول إن صاحبه مواطن مكتمل الجنسية، كما لا يكفي للقول إنه أجنبي. 

 بعد ثماني سنوات، الحكومة ما زالت تتعامل معهم ضمن شرائح المستفيدين :

في مايو 2023، ظهر أصحاب الأرقام الإدارية مجدداً في قرار خدمي.

فقد وجه الدبيبة وزارة الشؤون الاجتماعية بصرف علاوات الزوجة والأبناء، مؤكداً أن المنحة ينبغي أن تشمل الشرائح كافة بما فيهم أصحاب الأرقام الإدارية، بعد إجراء المطابقة اللازمة مع مصلحة الأحوال المدنية ، وهذا يعكس مفارقة مستمرة: تستطيع الدولة إدخال حامل الرقم الإداري في بعض منظومات الدعم والخدمات، بينما يظل مركزه النهائي من حيث الجنسية والوثائق والحقوق الأخرى غير محسوم في حالات عديدة.

وفي أكتوبر 2023، ناقش رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مع شيوخ وأعيان الطوارق المشكلات التي تواجه أبناء الجنوب وأصحاب الأرقام الإدارية، إضافة إلى اعتراضات تتعلق بالقوانين الانتخابية، والتي قال ممثلو الطوارق إنها لم تنصفهم باعتبارهم جزءاً من مكونات الشعب الليبي.

وبعد أقل من شهر، ناقش النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة مع مجلس شيوخ قبائل الطوارق مسألة الرقم الإداري من الناحية الإنسانية والقانونية ، وبذلك ظل الملف مطروحًا أمام مؤسسات الدولة بعد نحو عقد من الإجراءات التي كان يفترض أن تكون مؤقتة. 

فهل قالت الدولة إنهم أجانب؟

تكشف مراجعة النصوص والتصريحات التي عثر عليها التحقيق أن الجهات الرسمية التي تناولت الرقم الإداري في المصادر التي راجعناها لم تقدم تعريفاً موحداً يقول إن كل حامل للرقم الإداري أجنبي .

بل على العكس، استخدمت بعض النصوص والتصريحات أوصافاً مختلفة.

قانون الرقم الوطني رقم 8 لسنة 2014 تحدث عن «مواطنين من أصول ليبية» سبق قيدهم ولم يحصلوا على أرقام وطنية. وحكومة الإنقاذ تحدثت عام 2015 عن «الليبيين» الذين لا يحملون أرقاماًٍ وطنية، ووصف الغويل حامل الرقم الإداري في تصريحه بـ«المواطن». وفي 2021 تحدثت حكومة الوحدة الوطنية عن «الحاصلين على الأرقام الإدارية» وضرورة إعطاء الحقوق، بينما أخضعت ملفات الجنسية نفسها للفحص القانوني من خلال لجنة مركزية.

وهذا الاختلاف لا يسمح أيضا بالقفز إلى النتيجة المعاكسة والقول إن كل حامل رقم إداري مواطن ليبي مكتمل الجنسية.

فالقرارات نفسها تظهر أن تحت مظلة الرقم الإداري حالات مختلفة: أشخاص يقولون إنهم من أصل ليبي، وأصحاب قرارات جنسية سابقة، وأسر في سجلات مؤقتة، وملفات تحتاج إلى إثبات الانتماء، وحالات ما زالت الجهات المختصة مطالبة بمراجعتها.

ومن هنا تنشأ «المنطقة الرمادية» التي يتتبعها هذا التحقيق: الرقم الإداري لا يثبت وحده الجنسية، لكنه أيضًا لم يُنشأ في النصوص التي راجعها التحقيق بوصفه بطاقة تعريف للأجانب. 

القانون طلب إنهاء «الوضع المعلق» فلماذا استمر؟

ربما تكون المادة التاسعة من القانون رقم 8 لسنة 2014 أكثر النصوص إحراجاً أمام استمرار الملف.

فهي لم تطلب من الدولة إدارة المشكلة إلى أجل غير معلوم، وإنما ألزمت الجهات المعنية بحصر الحالات وتحديد فترة زمنية لإنهاء الوضع المعلق، إما بمنح الرقم الوطني أو إلغاء القيد وما ترتب عليه.

لكن التسلسل الزمني يكشف شيئاً مختلفاً: قانون في 2014، وقرار تنفيذي ورقم إداري «مؤقت» في 2015، ثم لجان جديدة في 2021، واجتماعات لدى رئيس الحكومة والمجلس الرئاسي، ثم استمرار طرح الملف أمام مؤسسات الدولة في 2023.

وهذا يحول السؤال من «لماذا لا يحصلون على الجنسية؟» إلى سؤال أكثر دقة: لماذا لم تنفذ الدولة حتى الآن المبدأ الذي وضعه قانونها نفسه: حسم الوضع المعلق، سواء بالقبول أو الرفض وفق القانون؟

تضيف المادة السادسة من الإعلان الدستوري الليبي لسنة 2011 وتعديلاته بعداً آخر إلى القضية، إذ تنص على أن الليبيين سواء أمام القانون ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وتكافؤ الفرص، وتحظر التمييز بينهم لأسباب من بينها النسب والوضع الاجتماعي والانتماء القبلي والجهوي ، كما تنص المادة الخامسة على حماية الأسرة والزواج والأمومة والطفولة وذوي الاحتياجات الخاصة.

لكن تطبيق المادة السادسة على كل حامل للرقم الإداري يتوقف أولًا على حسم مركزه القانوني؛ فهي تتحدث عن «الليبيين». وهنا تعود المشكلة إلى نقطة البداية: ماذا يحدث عندما تستمر الدولة سنوات دون أن تحسم أصلًا ما إذا كان الشخص داخل هذه الدائرة أم خارجها؟

وتبرز هذه الإشكالية بصورة أكبر في الحالات التي يقول أصحابها إن لديهم قرارات أو مستندات سابقة تثبت مركزًا قانونيًا معينًا، بينما تظل إجراءاتهم معلقة. 

قانونيون: المشكلة ليست في غياب النصوص وحده :

وسبق أن تناول قانونيون وشخصيات دستورية الملف من زوايا مختلفة ، ففي تحقيق صحفي سابق حول القضية، قال المحامي محمد الشارف القاجيجي إن قوانين وقرارات متعددة صدرت بشأن العائدين وإثبات الانتماء إلى الأصل الليبي، لكنه أشار إلى أن التنفيذ ظل يمثل الإشكالية الأساسية، مستعرضاً لجانًا وقرارات قديمة للتحقق من الانتماء. وهذه إفادة قانونية منشورة وليست موقفاً رسميًا للدولة.

وفي التحقيق نفسه، قدم الهادي بوحمرة، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، قراءة مختلفة، إذ رأى أن معالجة ملف الجنسية تحتاج إلى الحذر، وأشار إلى ما تضمنه مشروع الدستور بشأن تنظيم إجراءات منح الجنسية والتعامل مع الطلبات السابقة.

وهذا الاختلاف بين المقاربات يعكس حساسية القضية: فهناك من ينظر إليها من زاوية الحقوق المكتسبة والقرارات غير المنفذة، وهناك من يركز على سلامة السجل المدني وسيادة الدولة في مسائل الجنسية ، لكن الطرفين يلتقيان عند نقطة لا يستطيع الملف تجاوزها: ضرورة فحص الملفات واتخاذ قرار قانوني نهائي بشأنها. 

عشر سنوات من «المؤقت» ولا حسم :

بعد أكثر من عقد من القرارات واللجان والاجتماعات، تكشف الوثائق التي راجعها التحقيق مفارقة يصعب تجاوزها: ما أُنشئ بوصفه معالجة مؤقتة استمر سنوات من دون أن ينتهي إلى حسم نهائي لآلاف الملفات.

في 2014، ألزم قانون الرقم الوطني الجهات المعنية بحصر الحالات وتحديد فترة زمنية لإنهاء «الوضع المعلق». وفي 2015، ظهر الرقم الإداري كبديل مؤقت لمعالجة بعض الأوضاع المالية والإدارية ، لكن السنوات التالية حملت لجانًا واجتماعات وقرارات جديدة، وظل الملف حاضرًا أمام الحكومة والمجلس الرئاسي ومجلسي الدولة والنواب ، تغيرت الحكومات واللجان، لكن السؤال بقي قائمًا: من هو حامل الرقم الإداري في نظر الدولة؟

والإجابة، وفق ما تكشفه الوثائق، ليست واحدة. فتحت هذه التسمية توجد حالات ومسارات قانونية مختلفة: أصحاب قرارات سابقة، وأشخاص ينتظرون إثبات انتمائهم إلى الأصل الليبي، وأصحاب سجلات مؤقتة، وملفات لا تزال بحاجة إلى المراجعة والحسم ، وهنا تكمن المشكلة الأعمق:

ليس في أن تمنح الدولة الجنسية لكل صاحب رقم إداري، ولا في أن تتوقف عن فحص الملفات والتحقق من سلامة السجل المدني؛ فهذا حقها وواجبها. المشكلة في أن يبقى «المؤقت» مؤقتًا لعشر سنوات وأكثر، من دون قرار نهائي يقول لصاحب كل ملف أين يقف في نظر القانون.

وهذا ما تعكسه القصص التي بدأ بها التحقيق: امرأة حُجب رقمها الوطني ولا تزال تنتظر حسم ملفها، وأسرة مُنحت وثيقة سفر مؤقتة لعلاج ابنتها ثم عادت إلى المشكلة نفسها، وعسكري خدم داخل مؤسسة الدولة بينما بقيت إجراءاته المدنية معلقة ، لم يمنحهم الرقم الإداري، في حد ذاته، مواطنة مكتملة، لكن المصادر الرسمية التي راجعها التحقيق لم تقدم أيضاً تعريفاً موحداً يعتبر كل حامليه أجانب.

وبين هذين التصنيفين استمر وضع كان القانون نفسه قد طالب بإنهائه.

بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال فقط: من يستحق الجنسية ومن لا يستحقها؟ بل لماذا لم تستطع الدولة أن تحسم كل ملف وفق القانون، بالقبول أو الرفض، وأن تقول لصاحبه بوضوح: من أنت في نظرها؟

فالحقوق قد تكون محل إثبات، والجنسية تخضع للقانون، والسجل المدني يجب أن يُحمى من التزوير؛ لكن ما لا ينبغي أن يتحول إلى وضع دائم هو الانتظار نفسه.